تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
وَسَيَأْتِي مَعْنَى الْجَمَاعَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ الْفِرَقِ ، وَأَنَّهَا الْمُتَّبِعَةُ لِلسُّنَّةِ ، وَإِنْ كَانَتْ رَجُلًا وَاحِدًا فِي الْعَالَمِ . قَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ : " لَا تَعْبَأْ بِمَا يُعْرَضُ مِنَ الْمَسَائِلِ وَيُدَّعَى فِيهَا الصِّحَّةُ بِمُجَرَّدِ التَّهْوِيلِ أَوْ بِدَعْوَى أَنْ لَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ ، وَقَائِلُ ذَلِكَ لَا يَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ فِيهَا بِالصِّحَّةِ ؛ فَضْلًا عَنْ نَفْيِ الْخِلَافِ فِيهَا ، وَلَيْسَ الْحُكْمُ فِيهَا مِنَ الْجَلِيَّاتِ الَّتِي لَا يُعْذَرُ الْمُخَالِفُ " . قَالَ : " وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : مَنِ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ فَهُوَ كَاذِبٌ ، وَإِنَّمَا هَذِهِ دَعْوَى بِشْرٍ وَابْنِ عُلَيَّةَ ، يُرِيدُونَ أَنْ يُبْطِلُوا السُّنَنَ بِذَلِكَ ؛ يَعْنِي أَحْمَدُ : أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْفِقْهِ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ ؛ إِذَا نَاظَرْتَهُمْ بِالسُّنَنِ وَالْآثَارِ ؛ قَالُوا : هَذَا خِلَافُ ( الْإِجْمَاعِ ) ، وَذَلِكَ الْقَوْلُ الَّذِي يُخَالِفُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ لَا يَحْفَظُونَهُ إِلَّا عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ أَوْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ مَثَلًا ، فَيَدَّعُونَ الْإِجْمَاعَ مِنْ قِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ بِأَقَاوِيلِ الْعُلَمَاءِ ، وَاجْتِرَائِهِمْ عَلَى رَدِّ السُّنَنِ بِالْآرَاءِ ، حَتَّى كَانَ بَعْضُهُمْ يُسْرَدُ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ ؛ فَلَا يَجِدُ لَهَا مُعْتَصِمًا إِلَّا أَنْ يَقُولَ : هَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ إِلَّا [ أَنَّ ] أَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا لَمْ يَقُولُوا بِذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عِلْمٌ ؛ لَرَأَى مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ مِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ خَلْقًا كَثِيرًا " . فَفِي هَذَا الْكَلَامِ إِرْشَادٌ لِمَعْنَى مَا نَحْنُ فِيهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنْقَلَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَّا بَعْدَ تَحَقُّقِهِ وَالتَّثَبُّتِ ؛ لِأَنَّهُ مُخْبِرٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ ، فَإِيَّاكُمْ وَالتَّسَاهُلَ ؛ فَإِنَّهُ مَظَنَّةُ الْخُرُوجِ عَنِ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ إِلَى السَّيِّئَاتِ .