إِلَّا أَنْ يُقَالَ : قَدْ جَاءَ الدُّعَاءُ لِلنَّاسِ فِي مَوَاطِنَ ؛ كَمَا فِي الْخُطْبَةِ الَّتِي اسْتَسْقَى فِيهَا ، وَنَحْوِ ذَلِكَ .
فَيُقَالُ : نَعَمْ ؛ فَأَيْنَ الْتِزَامُ ذَلِكَ جَهْرًا لِلْحَاضِرِينَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ؟ ! .
ثُمَّ نَقُولُ : إِنَّ الْعُلَمَاءَ يَقُولُونَ فِي مِثْلِ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ الْوَارِدِ عَلَى أَثَرِ الصَّلَاةِ : إِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ، لَا سُنَّةٌ وَلَا وَاجِبٌ ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَمْرَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذِهِ الْأَدْعِيَةَ لَمْ تَكُنْ مِنْهُ عَلَيْهِ وَالسَّلَامَ عَلَى الدَّوَامِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَجْهَرُ بِهَا دَائِمًا ، وَلَا يُظْهِرُهَا لِلنَّاسِ فِي غَيْرِ مُوَاطِنِ التَّعْلِيمِ ، إِذْ لَوْ كَانَتْ عَلَى الدَّوَامِ وَعَلَى الْإِظْهَارِ ؛ لَكَانَتْ سُنَّةً ، وَلَمْ يَسَعِ الْعُلَمَاءَ أَنْ يَقُولُوا فِيهَا بِغَيْرِ السُّنَّةِ ، إِذْ خَاصِّيَّتُهُ - حَسْبَمَا ذَكَرُوهُ - الدَّوَامُ وَالْإِظْهَارُ فِي مَجَامِعِ النَّاسِ .
وَلَا يُقَالُ : لَوْ كَانَ دُعَاؤُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سِرًّا ؛ لَمْ يُؤْخَذْ عَنْهُ .
لِأَنَّا نَقُولُ : مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الْإِسْرَارَ ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ [ الْجَهْرُ ] وَلَوْ مَرَّةً ، إِمَّا بِحُكْمِ الْعَادَةِ ، [ وَإِمَّا ] بِقَصْدِ التَّنْبِيهِ عَلَى التَّشْرِيعِ .
فَإِنْ قِيلَ : ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ تَدُلُّ عَلَى الدَّوَامِ [ حَاصِلٌ ] ؛ بِقَوْلِ الرُّوَاةِ : " كَانَ يَفْعَلُ " ؛ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الدَّوَامِ ؛ كَقَوْلِهِمْ : " كَانَ حَاتِمٌ يُكْرِمُ الضِّيفَانِ " .
قُلْنَا : لَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ يُطْلَقُ عَلَى الدَّوَامِ وَعَلَى الْكَثِيرِ وَالتَّكْرَارِ عَلَى الْجُمْلَةِ :
كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : « أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ :
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 455
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٤٥٥