مَا مِنْ مَعَارِفِ الرَّائِي وَغَيْرِهِمْ ، فَيُشِيرُ لَهُ إِلَى رَجُلٍ آخَرَ : هَذَا فُلَانٌ النَّبِيُّ ، وَهَذَا الْمِلْكُ الْفُلَانِيُّ ، أَوْ مَنْ أَشْبَهَ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ لَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِهِ ، فَيُوقِفُ اللَّبْسَ عَلَى الرَّائِي بِذَلِكَ ، وَلَهُ عَلَامَةٌ عِنْدَهُمْ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ؛ أَمْكَنَ أَنْ يُكَلِّمَهُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ غَيْرِ الْمُوَافِقَيْنِ لِلشَّرْعِ ، فَيَظُنُّ الرَّائِي أَنَّهُ مِنْ قِبَلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ ، فَلَا يُوثِقُ بِمَا يَقُولُ لَهُ أَوْ يَأْمُرُ أَوْ يَنْهَى .
وَمَا أَحْرَى هَذَا الضَّرْبَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ أَوِ النَّهْيُ فِيهِ مُخَالِفًا لِكَمَالِ الْأَوَّلِ ، [ وَهُوَ لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] حَقِيقًا بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ مُوَافِقًا ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَبْقَى فِي الْمَسْأَلَةِ إِشْكَالٌ .
نَعَمْ ؛ لَا يَحْكُمُ بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَا حَتَّى يَعْرِضَهَا عَلَى الْعِلْمِ ؛ لِإِمْكَانِ اخْتِلَاطِ أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ بِالْآخَرِ وَعَلَى الْجُمْلَةِ ، فَلَا يَسْتَدِلُّ ( بِالرُّؤْيَا ) فِي الْأَحْكَامِ إِلَّا ضَعِيفُ الْمِنَّةِ .
نَعَمْ ؛ يَأْتِي الْمَرْئِيَّ تَأْنِيسًا وَبِشَارَةً وَنِذَارَةً خَاصَّةً ، بِحَيْثُ لَا يَقْطَعُونَ بِمُقْتَضَاهَا حُكْمًا ، وَلَا يَبْنُونَ عَلَيْهَا أَصْلًا ، وَهُوَ الِاعْتِدَالُ فِي أَخْذِهَا ، حَسْبَمَا فُهِمَ مِنَ الشَّرْعِ فِيهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
[ فَصْلٌ الِاجْتِمَاعُ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي وَالْأَخْذُ بِالذِّكْرِ الْجَهْرِيِّ عَلَى صَوْتٍ وَاحِدٍ ]
فَصْلٌ
وَقَدْ رَأَيْنَا أَنْ نَخْتِمَ الْكَلَامَ فِي الْبَابِ بِفَصْلٍ جَمَعَ جُمْلَةً مِنْ الِاسْتِدْلَالَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَغَيْرِهَا فِي مَعْنَاهَا ، وَفِيهِ مِنْ نُكَتِ هَذَا الْكِتَابِ جُمْلَةٌ أُخْرَى ، فَهُوَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ بِحَسْبَ الْوَقْتِ وَالْحَالِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 336
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٣٣٦