هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ .
وَلَمَّا سَمِعَ بَعْضُهُمْ بِهَذَا الْجَوَابِ ؛ أَرْسَلَ بِهِ إِلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى ، فَأَتَى بِهِ ، فَرَحَلَ إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِ ، وَشَهَرَ فِي شِيعَتِهِ أَنَّ بِيَدِهِ حُجَّةً لِطَرِيقَتِهِمْ تَقْهَرُ كُلَّ حُجَّةٍ ، وَأَنَّهُ طَالِبٌ لِلْمُنَاظَرَةِ فِيهَا ، فَدُعِيَ لِذَلِكَ ، فَلَمْ يَقُمْ فِيهِ وَلَا قَعَدَ ؛ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : ( إِنَّ ) هَذِهِ حُجَّتِي ، وَأَلْقَى بِالْبِطَاقَةِ الَّتِي بِخَطِّ الْمُجِيبِ ، وَكَانَ هُوَ وَمُحِبُّهُ وَأَشْيَاعُهُ يَطِيرُونَ بِهَا فَرَحًا .
فَوَصَلَتِ الْمَسْأَلَةُ إِلَى غَرْنَاطَةَ ، وَطُلِبَ مِنَ الْجَمِيعِ النَّظَرُ فِيهَا ، فَلَمْ يَسَعْ أَحَدًا لَهُ قُوَّةٌ عَلَى النَّظَرِ فِيهَا ؛ إِلَّا أَنْ يُظْهِرَ وَجْهَ الصَّوَابِ فِيهَا الَّذِي يُدَانُ اللَّهُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنَ النَّصِيحَةِ الَّتِي هِيَ الدِّينُ الْقَوِيمُ وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ .
وَنَصُّ خُلَاصَةِ السُّؤَالِ : مَا يَقُولُ الشَّيْخُ فُلَانٌ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ؛ يَجْتَمِعُونَ فِي رِبَاطٍ عَلَى ضَفَّةِ الْبَحْرِ فِي اللَّيَالِي الْفَاضِلَةِ ، يَقْرَؤُنَ جُزْءًا مِنَ الْقُرْآنِ ، وَيَسْتَمِعُونَ مِنْ كُتُبِ الْوَعْظِ وَالرَّقَائِقِ مَا أَمْكَنَ فِي الْوَقْتِ ، وَيَذْكُرُونَ اللَّهَ بِأَنْوَاعِ التَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ ، ثُمَّ يَقُومُ مِنْ بَيْنِهِمْ قَوَّالٌ يَذْكُرُ شَيْئًا فِي مَدْحِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُلْقِي مِنَ السَّمَاعِ مَا تَتُوقُ النَّفْسُ إِلَيْهِ وَتَشْتَاقُ سَمَاعَهُ مِنْ صِفَاتِ الصَّالِحِينَ ، وَذِكْرِ آلَاءِ اللَّهِ وَنَعْمَائِهِ ، وَيُشَوِّقُهُمْ بِذِكْرِ الْمَنَازِلِ الْحِجَازِيَّةِ وَالْمَعَاهِدِ النَّبَوِيَّةِ ، فَيَتَوَاجَدُونَ اشْتِيَاقًا لِذَلِكَ ، ثُمَّ يَأْكُلُونَ مَا حَضَرَ مِنَ الطَّعَامِ ، وَيَحْمَدُونَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ، وَيُرَدِّدُونَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَبْتَهِلُونَ بِالْأَدْعِيَةِ إِلَى اللَّهِ فِي صَلَاحِ أُمُورِهِمْ ، وَيَدْعُونَ لِلْمُسْلِمِينَ وَلِإِمَامِهِمْ ، وَيَفْتَرِقُونَ ؛ فَهَلْ يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى مَا ذَكَرَ ؟ أَمْ يَمْنَعُونَ وَيُنْكِرُ عَلَيْهِمْ ؟ وَمَنْ دَعَاهُمْ مِنَ الْمُحِبِّينَ إِلَى مَنْزِلِهِ بِقَصْدِ التَّبَرُّكِ ؛ هَلْ يُجِيبُونَ دَعْوَتَهُ وَيَجْتَمِعُونَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ أَمْ لَا ؟
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 338
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٣٣٨