تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
صَاحِبَ تِجَارَةٍ بِتَرْكِ تِجَارَتِهِ ، وَهُمْ كَانُوا أَوْلِيَاءَ اللَّهِ حَقًّا ، وَالطَّالِبُونَ لِسُلُوكِ طَرِيقِ الْحَقِّ صِدْقًا ، وَإِنْ سَلَكَ مَنْ بَعْدَهُمْ أَلْفَ سُنَّةٍ ؛ لَمْ يَبْلُغْ شَأْوَهُمْ ، وَلَمْ يَبْلُغْ هُدَاهُمْ . ثُمَّ إِنَّهُ كَمَا يَكُونُ الْمَالُ شَاغِلًا فِي الطَّرِيقِ عَنْ بُلُوغِ الْمُرَادِ ؛ فَكَذَلِكَ يَكُونُ فَرَاغُ الْيَدِ مِنْهُ جُمْلَةً شَاغِلًا عَنْهُ ، وَلَيْسَ أَحَدُ الْعَارِضِينَ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ مِنَ الْآخَرِ . فَأَنْتَ تَرَى كَيْفَ جُعِلَ هَذَا النَّوْعُ - الَّذِي لَمْ يُوجَدْ فِي السَّلَفِ عَهْدُهُ - أَصْلًا فِي سُلُوكِ الطَّرِيقِ ، وَهُوَ - كَمَا تَرَى - مُحْدَثٌ ، فَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّ الصُّوفِيَّةَ اسْتَحْسَنُوهُ ؛ لِأَنَّهُ بِلِسَانِ جَمِيعِهِمْ يَنْطِقُ . وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : إِنَّهُ لَا يَصِحُّ لِلشُّيُوخِ التَّجَاوُزُ عَنْ زَلَّاتِ الْمُرِيدِينَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَضْيِيعٌ لِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى . وَهَذَا النَّفْيُ الْعَامُ يُسْتَنْكَرُ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : " « أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ ، وَذَلِكَ فِيمَا لَمْ يَكُنْ حَدَّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ » " ؟ فَلَوْ كَانَ الْعَفْوُ غَيْرَ صَحِيحٍ ؛ لَكَانَ مُخَالِفًا لِهَذَا الدَّلِيلِ ، وَلَمَا جَاءَ مِنْ فَضْلِ الْعَفْوِ . وَأَيْضًا ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيَرْضَى بِهِ وَيُعِينُ عَلَيْهِ مَا لَا يُعِينُ عَلَى الْعُنْفِ ، وَمِنْ جُمْلَةِ الرِّفْقِ شَرْعِيَّةُ التَّجَاوُزِ وَالْإِغْضَاءِ ، إِذِ الْعَبْدُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ زَلَّةٍ وَتَقْصِيرٍ ، وَلَا مَعْصُومَ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ . - [ وَ ] مِنْ ذَلِكَ أَخْذُهُمْ عَلَى الْمُرِيدِ أَنْ يُقَلِّلَ مِنْ غِذَائِهِ ، لَكِنْ