تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
مِنْهَا ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنَ الْبِدَعِ مَا لَيْسَ بِمَذْمُومٍ ، بَلْ أَنَّ مِنْهَا مَا هُوَ مَمْدُوحٌ ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ . وَالْجَوَابُ : - أَنْ نَقُولَ أَوَّلًا : كُلُّ مَا عَمِلَ بِهِ الْمُتَصَوِّفَةُ الْمُعْتَبَرُونَ فِي هَذَا الشَّأْنِ لَا يَخْلُو : إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا ثَبَتَ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ أَمْ لَا : فَإِنْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ ؛ فَهُمْ خُلَقَاءُ بِهِ ؛ كَمَا أَنَّ السَّلَفَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ خُلَقَاءُ بِذَلِكَ . وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ ؛ فَلَا عَمَلَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ حُجَّةٌ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ ، وَلَيْسَ عَمَلُ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ حُجَّةً عَلَى السُّنَّةِ ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ مَعْصُومَةٌ عَنِ الْخَطَأِ وَصَاحِبَهَا مَعْصُومٌ ، وَسَائِرُ الْأُمَّةِ لَمْ تَثْبُتْ لَهُمْ عِصْمَةٌ ؛ إِلَّا مَعَ إِجْمَاعِهِمْ خَاصَّةً ، وَإِذَا اجْتَمَعُوا ؛ تَضَمَّنَ اجْتِمَاعُهُمْ دَلِيلًا شَرْعَيًّا كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ . فَالصُّوفِيَّةُ كَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ الْعِصْمَةُ ، فَيَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَالْمَعْصِيَةُ كَبِيرَتُهَا وَصَغِيرَتُهَا ، فَأَعْمَالُهُمْ لَا تَعْدُو الْأَمْرَيْنِ . وَلِذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ : كُلُّ كَلَامٍ مِنْهُ مَأْخُوذٌ أَوْ مَتْرُوكٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ الْقُشَيْرِيُّ أَحْسَنَ تَقْرِيرٍ ، فَقَالَ : " فَإِنْ قِيلَ : فَهَلْ يَكُونُ الْوَلِيُّ مَعْصُومًا ( حَتَّى لَا يُصِرَّ عَلَى الذُّنُوبِ ) ؟ قِيلَ : أَمَّا وُجُوبًا كَمَا يُقَالُ فِي الْأَنْبِيَاءِ ؛ فَلَا ، وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا حَتَّى لَا يُصِرَّ عَلَى الذُّنُوبِ - وَإِنْ حَصَلَتْ مِنْهُمْ آفَاتٌ أَوْ زَلَاتٌ - ؛ فَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ فِي وَصْفِهِمْ " .