قَالَ : " لَقَدْ قِيلَ لِلْجُنَيْدِ : الْعَارِفُ بِرَبِّهِ يَزْنِي ؟ فَأَطْرَقَ مَلِيًّا ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ، وَقَالَ : وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا .
فَهَذَا كَلَامُ مُنْصِفٍ ، فَكَمَا يَجُوزُ عَلَى غَيْرِهِمُ الْمَعَاصِي بِالِابْتِدَاعِ وَغَيْرِهِ ؛ كَذَلِكَ يَجُوزُ عَلَيْهِمْ .
فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَقِفَ مَعَ الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ ، وَنَقِفُ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْخَطَأُ إِذَا ظَهَرَ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ إِشْكَالٌ ، بَلْ نَعْرِضُ مَا جَاءَ عَنِ الْأَئِمَّةِ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، فَمَا قَبِلَاهُ ؛ قَبِلْنَاهُ ، وَمَا لَمْ يَقْبَلَاهُ ؛ تَرَكْنَاهُ وَلَا عَلَيْنَا ، إِذْ قَامَ لَنَا الدَّلِيلُ عَلَى اتِّبَاعِ الشَّرْعِ وَلَمْ يَقُمْ لَنَا دَلِيلٌ عَلَى اتِّبَاعِ أَقْوَالِ الصُّوفِيَّةِ وَأَعْمَالِهِمْ إِلَّا بَعْدَ عَرْضِهَا ، وَبِذَلِكَ وَصَّى شُيُوخُهُمْ ، وَإِنْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ صَاحِبُ الْوَجْدِ وَالذَّوْقِ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْعُلُومِ وَالْفُهُومِ ؛ فَلْيَعْرِضْ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، فَإِنْ قَبِلَاهُ ؛ صَحَّ ، وَإِلَّا ؛ لَمْ يَصِحَّ ، فَكَذَلِكَ مَا رَسَمُوهُ مِنَ الْأَعْمَالِ وَأَوْجُهِ الْمُجَاهِدَاتِ وَأَنْوَاعِ الِالْتِزَامَاتِ .
- ثُمَّ نَقُولُ ثَانِيًا : إِذَا نَظَرْنَا فِي رُسُومِهِمُ الَّتِي حَدُّوا ، وَأَعْمَالِهِمُ الَّتِي امْتَازُوا بِهَا عَنْ غَيْرِهِمْ بِحَسَبِ تَحْسِينِ الظَّنِّ وَالتَّمَاسِّ أَحْسَنِ الْمَخَارِجَ وَلَمْ نَعْرِفْ لَهَا مَخْرَجًا ؛ فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا التَّوَقُّفُ عَنْ الِاقْتِدَاءِ وَالْعَمَلِ [ بِهَا ] ، وَإِنْ كَانُوا مِنْ جِنْسِ مَنْ يُقْتَدَى بِهِمْ ، لَا رَدًّا لَهُمْ وَاعْتِرَاضًا ، بَلْ لِأَنَّا لَمْ نَفْهَمْ وَجْهَ رُجُوعِهِ إِلَى الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ ؛ كَمَا فَهِمْنَا غَيْرَهُ ، أَلَا تَرَى أَنَّا نَتَوَقَّفُ عَنِ الْعَمَلِ بِالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي يُشْكِلُ عَلَيْنَا وَجْهُ الْفِقْهِ فِيهَا ؟ فَإِنْ سَنَحَ بَعْدَ ذَلِكَ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 277
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٢٧٧