الْوُقُوعِ مُمْكِنٌ ، وَهَاهُنَا إِذَا وَجَبَتْ فَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْخُصُوصِ ، وَقَدْ فَرَضَ أَنَّ الشَّرَّ فِيهَا عَلَى الْخُصُوصِ ; فَلَزِمَ التَّنَاقُضَ ، وَأَمَّا عَلَى التَّفْصِيلِ ; فَإِنَّ تَجْدِيدَ الزَّخَارِفِ فِيهِ مِنَ الْخَطَأِ مَا لَا يَخْفَى .
وَأَمَّا السِّيَاسَاتُ ; فَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ ; فَلَيْسَتْ بِبِدَعٍ ، وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ ذَلِكَ ; فَكَيْفَ يُنْدَبُ إِلَيْهَا ؟ وَهِيَ مَسْأَلَةُ النِّزَاعِ .
وَذَكَرَ فِي قِسْمِ الْمَكْرُوهِ أَشْيَاءَ هِيَ مِنْ قَبِيلِ الْبِدَعِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَلَا كَلَامَ فِيهَا ، أَوْ مِنْ قَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ عَلَى الْعِبَادَاتِ الْمَحْضَةِ أَنْ لَا يُزَادَ فِيهَا وَلَا يُنْقَصَ مِنْهَا ، وَذَلِكَ صَحِيحٌ ; لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِيهَا وَالنُّقْصَانَ مِنْهَا بِدَعٌ مُنْكَرَةٌ ، فَحَالَتُهَا وَذَرَائِعُهَا يُحْتَاطُ بِهَا فِي جَانِبِ النَّهْيِ .
وَذَكَرَ فِي قِسْمِ الْمُبَاحِ مَسْأَلَةَ الْمَنَاخِلِ ، وَلَيْسَتْ فِي الْحَقِيقَةِ مِنَ الْبِدَعِ ، بَلْ هِيَ مِنْ بَابِ التَّنَعُّمِ ، وَلَا يُقَالُ فِيمَنْ تَنَعَّمَ بِمُبَاحٍ : إِنَّهُ قَدِ ابْتَدَعَ ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ ذَلِكَ إِذَا اعْتُبِرَ إِلَى جِهَةِ الْإِسْرَافِ فِي الْمَأْكُولِ ; لِأَنَّ الْإِسْرَافَ كَمَا يَكُونُ فِي جِهَةِ الْكَمِّيَّةِ ، كَذَلِكَ يَكُونُ فِي جِهَةِ الْكَيْفِيَّةِ ، فَالْمَنَاخِلُ لَا تَعْدُو الْقِسْمَيْنِ ، فَإِنْ كَانَ الْإِسْرَافُ مِنْ مَالِهِ ، فَإِنْ كُرِهَ ، وَإِلَّا اغْتُفِرَ ، مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ الْجَوَازُ .
وَمِمَّا يَحْكِيهِ أَهْلُ التَّذْكِيرِ مِنَ الْآثَارِ أَنَّ أَوَّلَ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ : الْمَنَاخِلُ ، وَالشِّبَعُ ، وَغَسْلُ الْيَدَيْنِ بِالْأُشْنَانِ بَعْدَ الطَّعَامِ ، وَالْأَكْلُ عَلَى الْمَوَائِدِ .
وَهَذَا كُلُّهُ إِنْ ثَبَتَ نَقْلًا لَيْسَ بِبِدْعَةٍ ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى أَمْرٍ آخَرَ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 252
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٢٥٢