تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْكُمْ » ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ . وَخَرَّجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ . فَتَأَمَّلُوا ; فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهَا سُنَّةً ; فَإِنَّ قِيَامَهُ أَوَّلًا بِهِمْ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْقِيَامِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً فِي رَمَضَانَ ، وَامْتِنَاعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْخُرُوجِ خَشْيَةَ الِافْتِرَاضِ لَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِهِ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ زَمَانَهُ كَانَ زَمَانَ وَحْيٍ وَتَشْرِيعٍ ، فَيُمْكِنُ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ إِذَا عَمِلَ بِهِ النَّاسُ بِالْإِلْزَامِ ، فَلَمَّا زَالَتْ عِلَّةُ التَّشْرِيعِ بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; رَجَعَ الْأَمْرُ إِلَى أَصْلِهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ الْجَوَازُ فَلَا نَاسِخَ لَهُ . وَإِنَّمَا لَمْ يُقِمْ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ قِيَامَ النَّاسِ آخِرَ اللَّيْلِ وَمَا هُمْ بِهِ عَلَيْهِ كَانَ أَفْضَلَ عِنْدَهُ مِنْ جَمْعِهِمْ عَلَى إِمَامٍ أَوَّلَ اللَّيْلِ ، ذَكَرَهُ الطَّرْطُوشِيُّ ، وَإِمَّا لِضِيقِ زَمَانِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّظَرِ فِي هَذِهِ الْفُرُوعِ ، مَعَ شُغْلِهِ بِأَهْلِ الرِّدَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ آكَدُ مِنْ صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ . فَلَمَّا تَمَهَّدَ الْإِسْلَامُ فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَرَأَى النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْزَاعًا كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ قَالَ : لَوْ جُمِعَتِ النَّاسُ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ ، فَلَمَّا تَمَّ لَهُ ذَلِكَ ; نَبَّهَ عَلَى أَنَّ قِيَامَهُمْ آخِرَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ . ثُمَّ اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ وَإِقْرَارِهِ ، وَالْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ .