إِلَى التَّقْصِيرِ فِي الِاجْتِهَادِ ، وَأَنْ لَا يُوضَعَ مَوَاضِعَهُ ; لِأَنَّ فِي مَعْرِفَةِ أَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالتَّرْجِيحِ بَيْنَ أَقَاوِيلِهِمْ قُوَّةً وَزِيَادَةٌ فِي وَضْعِ الِاجْتِهَادِ مَوَاضِعَهُ .
انْتَهَى مَا قَالَهُ اللَّخْمِيُّ ، وَفِيهِ إِجَازَةُ الْعَمَلِ بِمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَنْ تَقَدَّمَ ; لِأَنَّ لَهُ وَجْهًا صَحِيحًا ، فَكَذَلِكَ نَقُولُ : كُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْمُحْدَثَاتِ لَهُ وَجْهٌ صَحِيحٌ ; فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ ، بَلْ هُوَ مَحْمُودٌ ، وَصَاحِبُهُ الَّذِي سَنَّهُ مَمْدُوحٌ ، فَأَيْنَ ذَمُّهَا بِإِطْلَاقٍ أَوْ عَلَى الْعُمُومِ ؟ !
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : " تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقْضِيَةٌ بِقَدْرِ مَا أَحْدَثُوا مِنَ الْفُجُورِ " ، فَأَجَازَ كَمَا تَرَى إِحْدَاثَ الْأَقْضِيَةِ وَاخْتِرَاعَهَا عَلَى قَدْرِ اخْتِرَاعِ الْفُجَّارِ لِلْفُجُورِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِتِلْكَ الْمُحْدَثَاتِ أَصْلٌ .
وَقَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ .
وَأَخَذَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ بِقَوْلِ الْمَيِّتِ : دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ ، وَلَمْ يَأْتِ لَهُ فِي الْمُوَطَّأِ بِأَصْلٍ سَمَاعِيٍّ ، وَإِنَّمَا عُلِّلَ بِأَمْرٍ مُصْطَلَحِيٍّ ، وَفِي مَذْهَبِهِ مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ .
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا مَعَ أَنَّهُ مُخْتَرَعٌ ; فَلِمَ لَا يَجُوزُ مِثْلُهُ وَقَدِ اجْتَمَعَا فِي الْعِلَّةِ لِأَنَّ الْجَمِيعَ مَصَالِحُ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْجُمْلَةِ ؟ ! وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ جَائِزًا ; فَلِمَ اجْتَمَعُوا عَلَى جُمْلَةٍ مِنْهَا ، وَفَرَّعَ غَيْرُهُمْ عَلَى بَعْضِهَا ؟ ! وَلَا يَبْقَى إِلَّا أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُمْ يُتَابِعُونَ عَلَى مَا عَمِلَ هَؤُلَاءِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَإِنِ اجْتَمَعَا
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 232
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٢٣٢