وَحَكَى الْمَسْعُودِيُّ أَنَّهُ كَانَ فِي أَعْلَى صَعِيدِ مِصْرَ رَجُلٌ مِنَ الْقِبْطِ مِمَّنْ يُظْهِرُ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ ، وَكَانَ يُشَارُ إِلَيْهِ بِالْعِلْمِ وَالْفَهْمِ ، فَبَلَغَ خَبَرُهُ أَحْمَدَ بْنَ طُولُونَ ، فَاسْتَحْضَرَهُ ، وَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ ، مِنْ جُمْلَتِهَا أَنَّهُ أَمَرَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَقَدْ حَضَرَ مَجْلِسَهُ بَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ لِيَسْأَلَهُ عَنِ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ ، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ ؟
فَقَالَ : دَلِيلِي عَلَى صِحَّتِهَا وُجُودُ إِيَّاهَا مُتَنَاقِضَةً مُتَنَافِيَةً ، تَدْفَعُهَا الْعُقُولُ ، وَتَنْفِرُ مِنْهَا النُّفُوسُ ، لِتَبَايُنِهَا وَتَضَادِّهَا ، لَا نَظَرَ يُقَوِّيهَا ، وَلَا جَدَلَ يُصَحِّحُهَا ، وَلَا بُرْهَانَ يُعَضِّدُهَا مِنَ الْعَقْلِ وَالْحِسِّ عِنْدَ أَهْلِ التَّأَمُّلِ لَهَا وَالْفَحْصِ عَنْهَا ، وَرَأَيْتُ مَعَ ذَلِكَ أُمَمًا كَثِيرَةً وَمُلُوكًا عَظِيمَةً ذَوِي مَعْرِفَةٍ وَحُسْنِ سِيَاسَةٍ وَعُقُولٍ رَاجِحَةٍ قَدِ انْقَادُوا إِلَيْهَا وَتَدَيَّنُوا بِهَا ، مَعَ مَا ذَكَرْتُ مِنْ تَنَاقُضِهَا فِي الْعَقْلِ ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُمْ لَمْ يَقْبَلُوهَا وَلَا تَدَيَّنُوا بِهَا ، إِلَّا بِدَلَائِلَ شَاهَدُوهَا وَآيَاتٍ وَمُعْجِزَاتٍ عَرَفُوهَا ، أَوْجَبَ انْقِيَادَهُمْ إِلَيْهَا وَالتَّدَيُّنَ بِهَا .
فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ : وَمَا التَّضَادُّ الَّذِي فِيهَا ؟
فَقَالَ : وَهَلْ يُدْرَكُ ذَلِكَ أَوْ تُعْلَمُ غَايَتُهُ ؟ مِنْهَا قَوْلُهُمْ بِأَنَّ الثَّلَاثَةَ وَاحِدٌ وَأَنَّ الْوَاحِدَ ثَلَاثَةٌ . وَوَصْفُهُمْ لِلْأَقَانِيمِ وَالْجَوْهَرِ ، وَهُوَ الثَّالُوثِيُّ ، وَهَلِ الْأَقَانِيمُ فِي أَنْفُسِهَا قَادِرَةٌ عَالِمَةٌ أَمْ لَا ؟ وَفِي اتِّحَادِ رَبِّهِمُ الْقَدِيمِ بِالْإِنْسَانِ الْمُحْدَثِ ، وَمَا جَرَى فِي وِلَادَتِهِ وَصَلْبِهِ وَقَتْلِهِ ، وَهَلْ فِي التَّشْنِيعِ أَكْبَرُ وَأَفْحَشُ مِنْ إِلَهٍ صُلِبَ ، وَبُصِقَ فِي وَجْهِهِ ، وَوُضِعَ عَلَى رَأْسِهِ إِكْلِيلُ الشَّوْكِ ، وَضُرِبَ رَأْسُهُ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 208
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٢٠٨