وَحِينَ سَمِعْتُ تِلْكَ الْكَلِمَةَ مِنْ إِعْظَامِي ، قُلْتُ : هَذَا مَجْلِسٌ عَظِيمٌ ، وَكَلَامٌ طَوِيلٌ ، يَفْتَقِرُ إِلَى تَفْصِيلٍ ، وَلَكِنْ نَتَوَاعَدُ إِلَى يَوْمٍ آخَرَ ، وَقُمْتُ وَخَرَجْتُ ، فَقَامُوا كُلُّهُمْ مَعِي ، وَقَالُوا : لَا بُدَّ أَنْ تَبْقَى قَلِيلًا . فَقُلْتُ : لَا . وَأَسْرَعْتُ حَافِيًا ، وَخَرَجْتُ عَلَى الْبَابِ أَعْدُو ، حَتَّى أَشْرَفْتُ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ ، وَبَقِيتُ هُنَاكَ مُبَشِّرًا نَفْسِي بِالْحَيَاةِ ، حَتَّى خَرَجُوا بَعْدِي ، وَأَخْرَجُوا لِي ( لَايَكِي ) ، وَلَبِسْتُهَا ، وَمَشَيْتُ مَعَهُمْ مُتَضَاحِكًا ، وَوَعَدُونِي بِمَجْلِسٍ آخَرَ ، فَلَمْ أُوَفِّ لَهُمْ ، وَخِفْتُ وَفَاتِي فِي وَفَائِي " .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : " وَقَدْ قَالَ لِي أَصْحَابُنَا النَّصْرِيَّةُ بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى : إِنَّ شَيْخَنَا أَبَا الْفَتْحِ نَصْرَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيَّ اجْتَمَعَ بِرَئِيسٍ مِنَ الشِّيعَةِ ، فَشَكَا إِلَيْهِ فَسَادَ الْخَلْقِ ، وَأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِخُرُوجِ الْإِمَامِ الْمُنْتَظَرِ ، فَقَالَ نَصْرٌ : هَلْ لِخُرُوجِهِ مِيقَاتٌ أَمْ لَا ؟ قَالَ الشِّيعِيُّ : نَعَمْ ، قَالَ لَهُ أَبُو الْفَتْحِ : وَمَعْلُومٌ هُوَ أَوْ مَجْهُولٌ ؟ قَالَ : مَعْلُومٌ . قَالَ نَصْرٌ : وَمَتَى يَكُونُ ؟ قَالَ : إِذَا فَسَدَ الْخَلْقُ . قَالَ أَبُو الْفَتْحِ : فَهَلْ تَحْبِسُونَهُ عَنِ الْخَلْقِ وَقَدْ فَسَدَ جَمِيعُهُمْ إِلَّا أَنْتُمْ ، فَلَوْ فَسَدْتُمْ لَخَرَجَ ; فَأَسْرِعُوا بِهِ وَأَطْلِقُوهُ مِنْ سِجْنِهِ وَعَجِّلُوا بِالرُّجُوعِ إِلَى مَذْهَبِنَا ; فَبُهِتَ .
وَأَظُنُّهُ سَمِعَهَا عَنْ شَيْخِهِ أَبِي الْفَتْحِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَيُّوبَ الرَّازِيِّ الزَّاهِدِ .
انْتَهَى مَا حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ ، وَفِيهِ غُنْيَةٌ لِمَنْ عَرَّجَ عَنْ تَعَرُّفِ أُصُولِهِمْ ، وَفِي أَثْنَاءِ الْكِتَابِ مِنْهُ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ .
الْقِسْمُ الثَّانِي : يَتَنَوَّعُ أَيْضًا :
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 205
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٢٠٥