أَعْلَمُ وُفِّقَ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ .
وَكَذَلِكَ يَزِيدُ الْفَقِيرُ فِيمَا ذَكَرَهُ عَنْهُ ، لَا كَمَا عَارَضَ الْخَوَارِجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، إِذْ طَالَبَهُمْ بِالْحُجَّةِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا تُخَاصِمُوهُ ; فَإِنَّهُ مِمَّنْ قَالَ اللَّهُ فِيهِ : { بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } [ الزخرف : 58 ] ، فَرَجَّحُوا الْمُتَشَابِهَ عَلَى الْمُحْكَمِ ، وَنَاصَبُوا بِالْخِلَافِ السَّوَادَ الْأَعْظَمَ .
[ الثَّانِي : ] وَأَمَّا إِنْ لَمْ يَصِحَّ بِمِسْبَارِ الْعِلْمِ أَنَّهُ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ ; فَهُوَ الْحَرِيُّ بِاسْتِنْبَاطِ مَا خَالَفَ الشَّرْعَ كَمَا تَقَدَّمَ ، إِذْ قَدِ اجْتَمَعَ لَهُ مَعَ الْجَهْلِ بِقَوَاعِدِ الشَّرْعِ الْهَوَى الْبَاعِثُ عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ ، وَهُوَ التَّبَعِيَّةُ ، إِذْ قَدْ تَحْصُلُ لَهُ مَرْتَبَةُ الْإِمَامَةِ وَالِاقْتِدَاءِ ، وَلِلنَّفْسِ فِيهَا مِنَ اللَّذَّةِ مَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ يَعْسُرُ خُرُوجُ حُبِّ الرِّئَاسَةِ مِنَ الْقَلْبِ إِذَا انْفَرَدَ ، حَتَّى قَالَ الصُّوفِيَّةُ : حُبُّ الرِّئَاسَةِ آخِرُ مَا يَخْرُجُ مِنْ قُلُوبِ الصِّدِّيقِينَ ! فَكَيْفَ إِذَا انْضَافَ إِلَيْهِ الْهَوَى مِنْ أَصْلٍ ، وَانْضَافَ إِلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ دَلِيلٌ فِي ظَنِّهِ شَرْعِيٌّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ؟ ! فَيَتَمَكَّنُ الْهَوَى مِنْ قَلْبِهِ تَمَكُّنًا لَا يُمْكِنُ فِي الْعَادَةِ الِانْفِكَاكُ عَنْهُ ، وَجَرَى مِنْهُ مَجْرَى الْكَلْبِ مِنْ صَاحِبِهِ ; كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْفِرَقِ ، فَهَذَا النَّوْعُ ظَاهِرٌ أَنَّهُ آثِمٌ فِي ابْتِدَاعِهِ إِثْمَ مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً .
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَنَّ الْإِمَامِيَّةَ مِنَ الشِّيعَةِ تَذْهَبُ إِلَى وَضْعِ خَلِيفَةٍ دُونَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَزَعُمُ أَنَّهُ مِثْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعِصْمَةِ ، بِنَاءً عَلَى أَصْلٍ مُتَوَهَّمٍ ، فَوَضَعُوهُ عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ أَبَدًا مُفْتَقِرَةٌ إِلَى شَرْحٍ وَبَيَانٍ لِجَمِيعِ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 197
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص١٩٧