وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِأَشْيَاءَ ، مِنْهَا : أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَعَنَ مَنْ سَأَلَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ ، وَمَا جَاءَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الْأُغْلُوطَاتِ ، وَهِيَ صِعَابُ الْمَسَائِلِ ، وَعَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ ، وَأَنَّهُ كَرِهَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا ، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ السَّلَفِ لَمْ يَكُنْ يُجِيبُ إِلَّا عَمَّا نَزَلَ مِنَ النَّوَازِلِ دُونَ مَا لَمْ يَنْزِلْ .
وَهَذَا الْقَوْلُ غَيْرُ مُخَالِفٍ لِمَا قَبْلَهُ ، لِأَنَّ مَنْ قَالَ بِهِ ; قَدْ مَنَعَ مِنَ الرَّأْيِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَذْمُومٍ ، لِأَنَّ الْإِكْثَارَ مِنْهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الرَّأْيِ الْمَذْمُومِ ، وَهُوَ تَرْكُ النَّظَرِ فِي السُّنَنِ اقْتِصَارًا عَلَى الرَّأْيِ .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ; اجْتَمَعَ مَعَ مَا قَبْلُهُ ، فَإِنَّ مِنْ عَادَةِ الشَّرْعِ أَنَّهُ إِذَا نَهَى عَنْ شَيْءٍ وَشَدَّدَ فِيهِ ; مَنَعَ مَا حَوَالَيْهِ ، وَمَا دَارَ بِهِ وَرَتَعَ حَوْلَ حِمَاهُ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : « الْحَلَالُ بَيِّنٌ ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ » ، وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي الشَّرْعِ أَصْلُ سَدِّ الذَّرَائِعِ ، وَهُوَ مَنْعُ الْجَائِزِ ; لِأَنَّهُ يَجُرُّ إِلَى غَيْرِ الْجَائِزِ ، وَبِحَسَبِ عِظَمِ الْمَفْسَدَةِ فِي الْمَمْنُوعِ يَكُونُ اتِّسَاعُ الْمَنْعِ فِي الذَّرِيعَةِ وَشِدَّتُهُ .
وَمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ يُبَيِّنُ لَكَ عِظَمَ الْمَفْسَدَةِ فِي الِابْتِدَاعِ ، فَالْحَوْمُ حَوْلَ حِمَاهُ يَتَّسِعُ جِدًّا ، وَلِذَلِكَ تَنَصَّلَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسِ وَإِنْ كَانَ جَارِيًا عَلَى الطَّرِيقَةِ ، فَامْتَنَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُتْيَا بِهِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَسْأَلَةِ ، وَحَكَوْا فِي ذَلِكَ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّهُ قَالَ :
« لَا تَعْجَلُوا بِالْبَلِيَّةِ قَبْلَ نُزُولِهَا فَإِنَّكُمْ إِنْ تَفْعَلُوا تُشَتَّتُ بِكُمُ الطُّرُقُ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 138
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص١٣٨