أُظهر فِيهَا فَهُوَ مِنَ الشَّعَائِرِ ، فكأَنّ المُظْهِرَ لَهَا يَقُولُ : هَذِهِ سُنَّةٌ فَاتَّبِعُوهَا .
قَالَ أَبو مُصْعَبٍ ( 1 ) : قَدِمَ عَلَيْنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ ، فصلَّى ، وَوَضَعَ رداءَه بَيْنَ يَدَيِ الصَّفِّ ، فَلَمَّا سلَّم الإِمام رَمَقَهُ ( 2 ) النَّاسُ بأَبصارهم ، ورَمَقوا مَالِكًا - وَكَانَ قَدْ صَلَّى خَلْفَ الإِمام - ، فَلَمَّا سلَّم قَالَ : مَنْ هَاهُنَا مِنَ الحَرَس ؟ فجاءَه نَفْسَانِ ، فَقَالَ : خُذَا صَاحِبَ هَذَا الثَّوْبِ فَاحْبِسَاهُ ، فحُبِسَ ، فَقِيلَ لَهُ : إِنه ابْنُ مَهْدِيٍّ ، فوجَّه إِليه وَقَالَ لَهُ ( 3 ) : أَمَا خِفْتَ ( 4 ) اللَّهَ واتَّقَيْتَه أَن وَضَعْتَ ثَوْبَكَ بَيْنَ يَدَيْكَ فِي الصَّفِّ ، وَشَغَلْتَ الْمُصَلِّينَ بِالنَّظَرِ إِليه ، وَأَحْدَثْتَ فِي مَسْجِدِنَا شَيْئًا مَا كُنَّا نَعْرِفُهُ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ أَحْدَثَ فِي مَسْجِدِنَا حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجمعين " ( 5 ) ؟ فَبَكَى ابْنُ مَهْدِيٍّ ، وَآلَى عَلَى نَفْسِهِ أَن لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ أَبداً فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا فِي غَيْرِهِ .
وَفِي رِوَايَةٍ عن ابن مهدي ( 6 ) قال : فقلت للحرسِيَّيْن : تذهبان بي إلى أبي ( 7 ) عبد الله ؟ قالا : إِن شئت ، فذهبا ( 8 ) بي ( 9 ) إِليه ، فَقَالَ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ! تُصَلِّي مُسْتَلباً ( 10 ) ؟ ! فَقُلْتُ : يَا أَبا عَبْدِ اللَّهِ ! إِنه كَانَ يَوْمًا حارًّا - كما
هامش
( 1 ) ذكرها القاضي عياض في " ترتيب المدارك " ( 2 / 40 ) ، وتقدمت في الجزء الأول ( ص 204 - 205 ) .
( 2 ) في ( غ ) : " رمقوا " ، ويشبه أن تكون هكذا في ( ر ) .
( 3 ) قوله : " له " ليس في ( ر ) و ( غ ) .
( 4 ) في ( خ ) و ( م ) و ( ت ) : " ما خفت " .
( 5 ) الحديث أخرجه البخاري في " صحيحه " ( 1867 و 7306 ) ، ومسلم ( 1366 و 1367 ) ، كلاهما من طريق عاصم بن سليمان الأحول ؛ قال : قلت لأنس بن مالك : أَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة ؟ قال : نعم ! ما بين كذا إلى كذا ، فمن أحدث فيها حدثاً ، قال : ثم قال لي : هذه شديدة : " مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ ، وَالْمَلَائِكَةِ ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يوم القيامة صَرْفاً ولا عَدْلاً " . قال : فقال ابن أنس : أو آوى مُحْدثاً . اه - . واللفظ لمسلم .
ولا شك أن أول ما ينصرف إليه هذا الحديث من المدينة : مسجد النبي صلّى الله عليه وسلّم ، ولذلك جعل مالك رحمه الله السياق هكذا : " من أحدث في مسجدنا . . . " إلخ ، وأما لفظ الحديث ، فهو الذي تقدم .
( 6 ) ذكرها القاضي عياض في الموضع السابق .
( 7 ) قوله : " أبي " سقط من ( م ) " .
( 8 ) في ( خ ) : و ( ت ) : " فذهبنا " .
( 9 ) قوله : " بي " من ( ر ) و ( غ ) فقط ، والمثبت موافق لما في " ترتيب المدارك " .
( 10 ) في ( ر ) و ( غ ) : " متسلباً " ، وفي ( م ) : " مستلب " .