وَفِي رِوَايَةٍ : نُهينا عَنِ التكلُّف ( 1 ) ( 2 ) .
وَجَاءَ فِي قِصَّةِ صَبيغ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنِ اللَّيْثِ : أَنه ضَرَبَهُ مَرَّتَيْنِ ، ثُمَّ أَراد أَن يَضْرِبَهُ الثَّالِثَةَ ، فَقَالَ لَهُ صَبيغ : إِن كُنْتَ تُرِيدُ قَتْلِي فَاقْتُلْنِي قَتْلًا جَمِيلًا ، وإِن كُنْتَ تُرِيدُ أَن تُدَاوِيَنِي فَقَدْ وَاللَّهِ بَرِئْتُ . فأَذن لَهُ إِلى أَرضه ، وَكَتَبَ إِلى أَبي مُوسَى الأَشعري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَن لَا يُجَالِسَهُ أَحد مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ ، فَكَتَبَ أَبو مُوسَى إِلى عُمَرَ : أَن قَدْ حَسُنت هيئته ( 3 ) ، فكتب عَمَرُ : أَن يأْذن لِلنَّاسِ بِمُجَالَسَتِهِ ( 4 ) .
وَالشَّوَاهِدُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى أَن الهيِّن عِنْدَ النَّاسِ مِنَ الْبِدَعِ شديدٌ وَلَيْسَ بهيِّن ، { وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ } ( 5 ) .
وأَما كَلَامُ الْعُلَمَاءِ : فإِنهم وإِن أَطلقوا الْكَرَاهِيَةَ فِي الأُمور الْمَنْهِيِّ عَنْهَا ؛ لَا يَعْنُونَ بِهَا كَرَاهِيَةَ ( 6 ) التَّنْزِيهِ فَقَطْ ، وإِنما هَذَا اصْطِلَاحٌ للمتأَخرين ( 7 ) حين أَرادوا أَن يفرِّقوا بين القَبِيلَيْن ، فَيُطْلِقُونَ لَفْظَ الْكَرَاهِيَةِ عَلَى كَرَاهِيَةِ التَّنْزِيهِ فَقَطْ ، ويخصّون كراهية التحريم بلفظ التحريم ، أو المنع ، وأَشباه ذلك .
وأَما المتقدمون من السلف : فإِنه لَمْ يَكُنْ مِنْ شأْنهم فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ صَرِيحًا أَن يَقُولُوا : هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ ، وَيَتَحَامَوْنَ هَذِهِ الْعِبَارَةَ خَوْفًا مِمَّا فِي الْآيَةِ مِنْ قَوْلِهِ : { وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ
هامش
( 1 ) في ( خ ) : " التكليف " .
( 2 ) هذا الأثر يرويه أنس عن عمر ، وإسناده صحيح ، وله عن أنس ستة طرق تجدها مفصّلة في تخريجي ل - " سنن سعيد بن منصور " ( 1 / 181 ) فما بعدها .
وقوله : " نهينا عن التكلف " : أخرجه البخاري ( 7293 ) .
( 3 ) في ( خ ) : " سيئته " .
( 4 ) أخرجه الدارمي ( 1 / 67 ) ، وابن وضاح في " البدع والنهي عنها " ( 151 ) من طريق الليث ، عن محمد بن عجلان ، عن نافع ، به . ورواية نافع عن عمر مرسلة .
وسبق قريباً تخريج قصة صبيغ وبيان صحتها .
( 5 ) سورة النور : الآية ( 15 ) .
( 6 ) في ( غ ) : " كراهة " .
( 7 ) في ( ر ) و ( غ ) : " المتأخرين " .