وهذا الاحتجاج ( 1 ) إِلى اللَّعِبِ أَقرب مِنْهُ إِلى الْجَدِّ ، وأَقرب مَا فِيهِ أَن أَحداً مِنَ الْعُلَمَاءِ لَا يُشْتَرَطُ فِي الدعاءِ أَن لَا يَلْحَنَ كَمَا يَشْتَرِط الإِخلاصَ وصدقَ التَّوَجُّه ( 2 ) ، وعزمَ المسأَلة ، وغيرَ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ . وتعلُّمُ ( 3 ) اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ لإِصلاح الأَلفاظ فِي الدعاءِ - وإِن كَانَ الإِمامُ أَعرفَ بِهِ - ؛ هُوَ كَسَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إِليه الإِنسان مِنْ أَمر دِينِهِ . فإِن كَانَ الدُّعَاءُ مُسْتَحَبًّا ، فالقراءَة وَاجِبَةٌ ، وَالْفِقْهُ فِي الصَّلَاةِ كَذَلِكَ ، فإِن كَانَ تعليمُ ( 4 ) الدُّعَاءِ إِثر الصَّلَاةِ مَطْلُوبًا ، فَتَعْلِيمُ ( 5 ) فِقْهِ الصَّلَاةِ آكَدُ ، فَكَانَ مِنْ حَقِّه أَن يَجْعَلَ ذَلِكَ مِنْ وَظَائِفِ آثار الصلوات ( 6 ) .
فإِن قال ( 7 ) بموجبه في الحِزْبِ ( 8 ) الْمُتَعَارَفِ ، فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَجْتَثّ أَصله ؛ لأَن السَّلَفَ الصَّالِحَ كَانُوا أَحقَّ بالسَّبْق إِلى فَضْلِهِ ؛ لِجَمِيعِ مَا ذُكر فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ مالك بن أنس ( 9 ) فِيهَا : أَترى النَّاسَ الْيَوْمَ كَانُوا أَرغبَ فِي الْخَيْرِ مِمَّنْ مَضَى ؟ وَهُوَ إِشارة إِلى الأَصل الْمَذْكُورِ ، وَهُوَ أَن الْمَعْنَى المُقْتَضي للإِحداث - وَهُوَ الرَّغْبَةُ فِي الْخَيْرِ - كَانَ أَتمَّ فِي السَّلَفِ الصالح ، وهم لم يفعلوه ، فدل أَنَّهُ لَا يُفْعَل .
وأَما مَا ذُكِرَ مِنْ آداب ( 10 ) الدعاءِ : فكُلُّه مما لَا يتعيَّن لَهُ ( 11 ) إِثر الصَّلَاةِ ، بِدَلِيلِ : أَن رسول الله صلّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علَّم مِنْهَا جُمْلَةً كَافِيَةً ، وَلَمْ يُعَلِّم مِنْهَا شَيْئًا إِثر الصَّلَاةِ ، وَلَا تَرَكَهُمْ دُونَ تَعْلِيمٍ ليأْخذوا ذَلِكَ مِنْهُ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ ، أَو لِيَسْتَغْنُوا بِدُعَائِهِ ( 12 ) عَنْ تَعْلِيمِ ذَلِكَ ، وَمَعَ أَن الْحَاضِرِينَ للدعاءِ لَا يَحْصُلُ لهم من الإِمام فِي ذَلِكَ كَبِيرُ شَيْءٍ ، وإِن حَصَلَ فَلِمَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ دُونَ مَنْ بَعُدَ .
هامش
( 1 ) في ( خ ) و ( م ) : " الاجتماع " .
( 2 ) في ( خ ) و ( م ) : " التوجيه " ، وعلق عليه رشيد رضا بقوله : أي : توجيه القلب إلى الله تعالى المأخوذ من قوله تعالى : { وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ } ، ويحتمل أن يكون : " التوجه " الذي مطاوع التوجيه . اه - .
( 3 ) في ( ر ) و ( غ ) : " وتعليم " .
( 4 ) في ( غ ) و ( ر ) : " تعلم " .
( 5 ) في ( ر ) و ( غ ) : " فتعلم " .
( 6 ) في ( خ ) و ( م ) : " الصلاة " .
( 7 ) في ( خ ) و ( م ) : " فإن قيل " .
( 8 ) في ( م ) : " المحزب " ، وفي ( خ ) يشبه أن تكون : " المحرف " .
( 9 ) قوله : " ابن أنس " من ( غ ) و ( ر ) فقط ، ونقل المصنف كلام مالك هذا في " الموافقات " ( 3 / 497 ) .
( 10 ) في ( غ ) و ( ر ) : " أدب " .
( 11 ) قوله : " له " ليس في ( غ ) .
( 12 ) في ( غ ) : " عن دعائه " .