التعبُّدِيَّات ( 1 ) إِنما وَضْعُها ( 2 ) لِلشَّارِعِ ، فَلَا يُقَالُ فِي صلاةٍ سادسةٍ - مَثَلًا - : إِنها عَلَى الإِباحة ، فللمُكَلَّف وَضْعُهَا - عَلَى أَحد الْقَوْلَيْنِ - لِيَتَعَبَّدَ بِهَا لِلَّهِ ؛ لأَنه بَاطِلٌ بإِطلاق ، وَهُوَ أَصل كُلِّ مُبْتَدَعٍ يُرِيدُ أَن يَسْتَدْرِكَ عَلَى الشَّارِعِ . وَلَوْ سُلِّم أَنه مِنْ قَبِيلِ العاديَّات ، أَو مِنْ قَبِيلِ مَا يُعْقَل مَعْنَاهُ ، فَلَا يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ أَيضاً ؛ لأَن تركَ الْعَمَلِ بِهِ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَمِيعِ عُمُرِهِ ، وَتَرْكَ السَّلَفِ الصَّالِحِ لَهُ عَلَى تَوَالي أَزْمِنَتِهم قَدْ تقدَّم أَنه نصٌّ فِي التَّرْك ، وإِجماعٌ مِنْ كُلِّ مَنْ تَرَك ؛ لأَن عَمَلَ الإِجماع كنصِّه ، كما أَشار إِليه مالك في كلامه ( 3 ) .
وأَيضاً فما يُعَلِّل به ( 4 ) لَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِهِ ، وَقَدْ أَتى الرَّادُّ بأَوجه مِنْهُ :
أَحدها : أَن الدعاءَ بِتِلْكَ الْهَيْئَةِ لِيُظْهِرَ وَجْهَ التَّشْرِيعِ فِي الدعاءِ ، وأَنه بِآثَارِ الصَّلَوَاتِ مَطْلُوبٌ .
وَمَا قَالَهُ يَقْتَضِي أَن يَكُونَ سُنَّةً بِسَبَبِ الدَّوَامِ والإِظهار فِي الْجَمَاعَاتِ وَالْمَسَاجِدِ ، وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ اتِّفَاقًا ( 5 ) مِنَّا وَمِنْهُ ، فَانْقَلَبَ إِذاً وَجْهُ التَّشْرِيعِ .
وأَيضاً فإِن إِظهار التَّشْرِيعِ كَانَ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَولى ، فَكَانَتْ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةُ المتكلَّم فِيهَا أَولى بالإِظهار ( 6 ) ، ولَمّا ( 7 ) لَمْ يَفْعَلْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ؛ دلَّ على الترك مَعَ وُجُودِ الْمَعْنَى المُقْتَضي ، فَلَا يُمْكِنُ بَعْدَ زَمَانِهِ فِي تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ إِلا التَّرْكُ .
وَالثَّانِي : أَن الإِمام يَجْمَعُهُمْ عَلَى الدعاءِ لِيَكُونَ بِاجْتِمَاعِهِمْ أَقربَ إِلى الإِجابة .
وهذه العلة كانت موجودة ( 8 ) في زمانه عليه الصلاة والسلام ؛ لأَنه لَا يَكُونُ أَحدٌ أَسرعَ إِجابةً لِدُعَائِهِ مِنْهُ ؛ إِذ كَانَ مجابَ الدَّعْوَةِ بِلَا إِشكال ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ - وإِن عَظُم قَدْرُهُ فِي الدِّينِ - ، فَلَا يَبْلُغُ رُتْبَتَهُ ، فَهُوَ كَانَ أَحقَّ بأَن يَزِيدَهُمُ الدُّعَاءَ لَهُمْ خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ والليلة زيادة إِلى دعائهم لأَنفسهم .
هامش
( 1 ) في ( غ ) و ( ر ) : " التعبدات " .
( 2 ) في ( خ ) : " وضعوا " ، ولذا علق عليه رشيد رضا بقوله : لعله : إنما وضعها للشارع . اه - .
( 3 ) أي : المتقدم ( ص 284 ) .
( 4 ) في ( خ ) و ( م ) : " له " .
( 5 ) في ( غ ) و ( ر ) : " سنة باتفاق " .
( 6 ) في ( خ ) و ( م ) : " للإظهار " ، وفي ( ر ) : " بالإظها " .
( 7 ) في ( غ ) : " لما " .
( 8 ) قوله : " موجودة " سقط من ( خ ) .