خِلَافَ الشَّافِعِيِّ وَالْكَلَامَ عَلَيْهِ . وَالْمَقْصُودُ مِنَ المسأَلة : تَوْجِيهُ مَالِكٍ لَهَا مِنْ حَيْثُ إِنها بِدْعَةٌ ، لَا تَوْجِيهُ أَنها بِدْعَةٌ عَلَى الإِطلاق ( 1 ) .
وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ جَرَى بَعْضُهُمْ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ المحلِّل ، وأَنه بِدْعَةٌ مُنْكَرَةٌ ؛ مِنْ حَيْثُ وُجِد فِي زَمَانِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَعْنَى المُقْتَضي لِلتَّخْفِيفِ والترخيص للزوجين بإِجازة التحليل ليتراجعا كما كانا أَوّل مرَّة ، وأَنه لَمَّا لَمْ يُشَرِّعْ ذَلِكَ مَعَ حِرْصِ امرأَة رِفَاعَةَ ( 2 ) عَلَى رُجُوعِهَا إِليه ؛ دَلّ عَلَى أَن التَّحْلِيلَ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ لَهَا وَلَا لِغَيْرِهَا . وَهُوَ أَصل صَحِيحٌ ، إِذا اعتُبِر ؛ وَضَحَ بِهِ مَا نَحْنُ بِصَدَدِهِ ؛ لأَن الْتِزَامَ الدعاءِ بِآثَارِ الصَّلَوَاتِ جَهْرًا لِلْحَاضِرِينَ فِي مَسَاجِدِ الجماعات لو كان مُسْتَحسناً ( 3 ) شَرْعًا - أَو جَائِزًا - ؛ لَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَولى بِذَلِكَ ( 4 ) أَن يَفْعَلَهُ .
وَقَدْ عَلَّل المُنْكِرُ هَذَا الْمَوْضِعَ بِعلَلٍ تَقْتَضِي الْمَشْرُوعِيَّةَ ، وَبَنَى عَلَى فَرْضِ أَنه لَمْ يأْت مَا يُخَالِفُهُ ، وأَن الأَصل الْجَوَازُ فِي كُلِّ مَسْكُوتٍ عنه .
أَما أَن الأَصل الجواز فيُمنع ( 5 ) ؛ لأَن طَائِفَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ يَذْهَبُونَ إِلى أَن الأَشياءَ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْمَنْعِ دُونَ الإِباحة ، فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى مَا قَالَ مِنَ الْجَوَازِ ؟ وإِن سَلَّمَنَا لَهُ مَا قَالَ ، فَهَلْ هُوَ عَلَى الإِطلاق أَم لَا ؟ أَما فِي العاديَّات فمُسَلَّم ، وَلَا نُسَلِّم أَن مَا نَحْنُ فيه من العاديَّات ، بل من العباديَّات ، وَلَا يَصِحُّ أَن يُقَالَ فِيمَا فِيهِ تعبُّد : إِنه مُخْتَلِفٌ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : هَلْ هُوَ عَلَى الْمَنْعِ ، أَم هُوَ عَلَى الإِباحة ؟ بَلْ هو أبداً ( 6 ) على المنع ؛ لأَن
هامش
( 1 ) تقدم في بداية بحث المسألة ذكر ما يستدل به على مشروعية سجود الشكر .
( 2 ) حديث امرأة رفاعة : أخرجه البخاري ( 5260 ) ، ومسلم ( 1433 ) ، من حديث عائشة - رضي الله عنها - : أن امرأة رفاعة جاءت إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالت : يا رسول الله ! إن رفاعة طلقني فَبَتّ طلاقي ، وإني نكحت بعده عبد الرحمن بن الزبير القُرَظي ، وإنما معه مثل الهَدَبَة ، فقال صلّى الله عليه وسلّم : " لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا ! حتى يذوق عُسَيْلتك ، وتذوقي عُسَيْلته " .
( 3 ) في ( خ ) و ( م ) : " صحيحاً " بدل " مستحسناً " .
( 4 ) في ( م ) : " بأولى فذلك " .
( 5 ) في ( خ ) : " فيمتنع " ، ويبدو أنها كانت هكذا في ( م ) ، ثم طمست التاء .
( 6 ) في ( خ ) و ( م ) : " أمر زائد " بدل " أبداً " .