وَالتَّطْرِيبُ : مَدُّ الصَّوْتِ وَتَحْسِينُهُ .
وَبَيَانُهُ : أَن الشِّعْرَ الْمُغَنَّى بِهِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى أَمرين :
أَحدهما : مَا فِيهِ مِنَ ( 1 ) الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ ، وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِالْقُلُوبِ ، فَفِيهَا تَعْمَلُ وَبِهَا تَنْفَعِلُ ، وَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ يُنْسَبُ السَّمَاعُ إِلى الأَرواح .
وَالثَّانِي : مَا فِيهِ مِنَ النَّغَمات المُرَتَّبة عَلَى النِّسَب التَّلْحِينِيَّةِ ، وَهُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الطِّبَاعِ ( 2 ) فيُهيِّجها ( 3 ) إِلى مَا يُنَاسِبُهَا ، وَهِيَ الْحَرَكَاتُ عَلَى اخْتِلَافِهَا ، فَكُلُّ تأَثر في القلب من جهة السماع يحصُلُ ( 4 ) عنه آثار السكون وَالْخُضُوعِ فَهُوَ رِقَّة ، وَهُوَ التَّوَاجُدُ الَّذِي أَشار إِليه كَلَامُ المُجِيبِ ، وَلَا شَكَّ أَنه مَحْمُودٌ . وَكُلُّ تأَثُّر يَحْصُلُ عَنْهُ ضِدّ السُّكُون ؛ فَهُوَ طَرَبٌ لَا رِقَّة فِيهِ ( 5 ) وَلَا تَوَاجُدَ ، وَلَا هُوَ عِنْدَ شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ مَحْمُودٌ ، لَكِنَّ هؤلاءِ الفقراءِ لَيْسَ لَهُمْ مِنَ التَّوَاجُدِ - فِي الْغَالِبِ - إِلا الثَّانِي الْمَذْمُومَ . فَهُمْ إِذاً مُتَوَاجِدُونَ بِالنَّغَمِ وَاللُّحُونِ ، لَا يُدْرِكُونَ مِنْ مَعَانِي الْحِكْمَةِ شَيْئًا ( 6 ) ، فَقَدْ بَاؤُوا ( 7 ) إِذاً بأَخسر الصَّفْقَتَيْنِ ، نَعُوذُ بِاللَّهِ .
وإِنما جاءَهم الْغَلَطُ مِنْ جِهَةِ اخْتِلَاطِ المناطَيْن عَلَيْهِمْ ، وَمِنْ جِهَةِ أَنهم استدلُّوا بِغَيْرِ دَلِيلٍ . فقوله تعالى : { فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ } ( 8 ) ، وَقَوْلُهُ : { لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا } ( 9 ) : لا دليل فيه على هذا الْمَعْنَى . وَكَذَلِكَ ( 10 ) قَوْلُهُ تَعَالَى : { إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا } ( 11 ) : كذا ( 12 ) أَيْنَ فيه أَنهم قاموا
هامش
= الأول : " وأراني طرباً في إثرهم " ، والواله : الثاكل ( وكان في نسختنا : الوالد ) . والمختبل - بفتح الباء - : من اختبل عقله ؛ أي : جُنّ ، ( وكان في نسختنا : المتخيل ) . اه - .
( 1 ) قوله : " من " ليس في ( م ) .
( 2 ) في ( خ ) : " الطبائع " .
( 3 ) في ( ر ) و ( غ ) : " فتهيجها " .
( 4 ) في ( خ ) : " تحصل " .
( 5 ) قوله : " فيه " من ( خ ) فقط .
( 6 ) في ( ر ) و ( غ ) : " شحة " .
( 7 ) في ( م ) : " بانوا " ، وفي ( ر ) : " باءو " .
( 8 ) سورة الذاريات : الآية ( 50 ) .
( 9 ) سورة الكهف : الآية ( 18 ) .
( 10 ) في ( غ ) : " وكذا " .
( 11 ) الآية : ( 14 ) من سورة الكهف . وقوله : " ربنا " من ( خ ) فقط .
( 12 ) قوله : " كذا " ليس في ( خ ) .