تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
وإن قال لها طلقي نفسك من ثلاث ما شئت ، فلها أن تطلق نفسها واحدة أو ثنتين ، ولا تطلق ثلاثا عند أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقالا : تطلق ثلاثا إن شاءت ؛ لأن كلمة " ما " محكمة في التعميم ، وكلمة من قد تستعمل للتمييز فيحمل على تمييز الجنس ، كما إذا قال كل من طعامي ما شئت ، أو طلق من نسائي من شئت . ولأبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ - أن كلمة ( من ) حقيقة للتبعيض ، ( ما ) للتعميم ، فيعمل بهما ، وفيما استشهدا به ترك التبعيض لدلالة إظهار السماحة أو لعموم الصفة ، وهي المشيئة ، حتى لو قال من شئت كان على هذا الخلاف . والله تعالى أعلم بالصواب .
شرح
[ قال لها طلقي نفسك من ثلاث ما شئت ] م : ( وإن قال لها : طلقي نفسك من ثلاث ما شئت ، فلها أن تطلق نفسها واحدة أو ثنتين ، ولا تطلق ثلاثاً عند أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقالا : تطلق ثلاثاً إن شاءت ؛ لأن كلمة " ما " محكمة للتعميم ، وكلمة " من " قد تستعمل للتمييز ) ش : أي للبيان ، كما في قَوْله تَعَالَى : { فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ } [ الحج : 30 ] ( الحج : الآية 30 ) ، وقد تكون لغيرهما ، فإذا عرفت ذلك قد اجتمع في كلامه المحتمل والمحكم ، فيحمل المحتمل على المحكم ، كما هو الأصل ، وقال المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : م : ( فيحمل على تمييز الجنس ) ش : أي يجعل بيان العموم لعموم الجنس ، أي لتمييز الطلاق من سائر الأشياء في التفويض ، أو هو صلة ، كذا في المبسوط . م : ( كما إذا قال كل من طعامي ما شئت ) ش : يعم الإذن م : ( أو طلق من نسائي من شئت ) ش : فله أن يطلق من شاء من نسائه م : ( ولأبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أن كلمة من حقيقة للتبعيض ) ش : فيه نظر ، لأن من تأتي بخمسة عشر معنى الغالب عليها ابتداء الغاية ، حتى ادعى جماعة أن سائر معانيها راجعة إليه م : ( و " ما " للتعميم ) ش : أي كلمة ما للتعميم م : ( فيعمل بهما ) ش : لأن الأصل أن يعمل بحقيقة الكلام ما لم يدل دليل المجاز . وقال الأترازي : لا يقال ينبغي على هذا أن لا تطلق نفسها واحدة ، لأن الواحدة ليس فيها معنى العموم أصلاً ، وهي بعض حرف ، لأنا نقول لما ملكت الثنتين بحكم الأمر ملكت الواحدة أيضاً ، وهذا ما سنح به خاطري في هذا المقام . قلت : سبق لهذا غيره ، لأن الأكمل سأل هذا ، وأجاب بقوله بأنه يتناول الواحدة دلالة . م : ( وفيما استشهدا به ) ش : هذا جواب عن قول أبي يوسف ، ومحمد مستشهدين بقوله ، كما إذا قال : كل من طعامي تقريره أن فيه قام الدليل على إرادة المجاز ، وهو أنه م : ( ترك التبعيض ) ش : بدليل خارجي ، وهو قوله م : ( بدلالة إظهار السماحة ) ش : لأن في العرف يراد بمثل هذا الكلام إظهار السماحة والكرم ، وذلك بالعموم م : ( أو لعموم الصفة ، وهي المشيئة ) ش : لأن النكرة إذا وصفت بصفة عامة تعم م : ( حتى لو قال من شئت ) ش : يعني لو قال : طلق من نسائي من شئت م : ( كان على هذا الخلاف ) ش : المذكور بين أبي حنيفة وصاحبيه ، ثم عنده إن طلقت نفسها ثلاثاً لا يقع .
البناية شرح الهداية — صفحة 408 | العيني