تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
وإن قال لها أنت طالق كم شئت أو ما شئت ، طلقت نفسها ما شاءت ، لأنهما يستعملان للعدد ، فقد فوض إليها أي عدد شاءت ، فإن قامت من المجلس بطل ، وإن ردت الأمر كان ردا ، لأن هذا أمر واحد ، وهو خطاب في الحال ، فيقتضي الجواب في الحال .
شرح
فإن قلت : لما كان تفويضاً في وصفه إلى مشيئتها ، فيجب أن يكون في مستقبله في إثبات ما شاءت بلا نية الزوج ، كما في سائر التفويضات . أجيب : بأن أبا بكر الرازي ذكر أن لها المشيئة في إثبات وصف البينونة أو الثلاث بلا نية الزوج ، وما ذكر في الكتاب قول الجصاص . [ قال لها أنت طالق كم شئت أو ما شئت ] م : ( وإن قال لها أنت طالق كم شئت ، أو ما شئت ؛ طلقت نفسها ما شاءت ؛ لأنهما ) ش : أي لأن كم وما م : ( يستعملان للعدد ، وقد فوض إليها أي عدد شاءت ) ش : أما كم فإنه كناية عن العدد لا على سبيل التعيين ، ألا ترى إلى قولهم : كم درهماً عندك ، وكم غلام ملكت في الاستفهامية والخبرية ، فوقعت عامة لإبهامها ، كان لها أن تطلق إن شاءت واحدة ، وإن شاءت ثنتين ، وإن شاءت ثلاثاً . م : ( فإن قامت من المجلس بطل ) ش : أي لا يقع شيء ، لأن هذا تمليك والتمليكات تقتصر على المجلس ، فإذا وجد دليل إعراض من القيام عن المجلس ، ومن الاشتغال بعمل آخر به ، حيث يقع المجلس بطلت مشيئتها ، ولم يقع بعد ذلك شيء بمشيئتها م : ( وإن ردت الأمر كان رداً ، لأن هذا أمر واحد ) ش : هذا احتراز عن كلما وقوله م : ( وهو خطاب في الحال ) ش : احتراز عن إذا ومتى ، يعني " إذا " تمليك في الحال ؛ لأنه ليس في كلامه ذكر الوقت م : ( فيقتضي الجواب في الحال ) ش : لا يقال : إن كم تستعمل في العدد والواحد ليس بعدد ، فينبغي أن يملك الواحد ، لأنا نقول أن الواحد أصل العدد ، وفي الفرق يستعمل في العدد ، ألا ترى لو قيل : كم معك استفهام الجواب عن الواحد . فإن قيل : كلمة ما تستعمل للعدد ، وتستعمل للوقت ، كقوله تعالى : { مَا دُمْتُ حَيًّا } [ مريم : 31 ] ( مريم : الآية 31 ) فوقع الشك في تفويض العدد ، فلا يثبت العدد بالشك . أجيب : بأن هذا معارض بمثله ، فأما لو عملنا بمعنى الوقت لا يبطل بالقيام عن المجلس . ولو علمنا بمعنى العدد يبطل ، فوقع الشك بكونه مما وراء المجلس فلا يثبت بالشك ، ثم رجحنا جانب العدد بأصل آخر ، وهو أن التفويض بمعنى التمليك ، والتمليكات تقتصر على المجلس ، وإنما يكون لو كانت معمولاً ، وبمعنى العدد لا بمعنى الوقت . قال الأكمل : فيه نظر ، لأن فيه معنى التعليق ، فيتوقف على ما وراء المجلس ، فيتعارض جهتا الترجيح . والجواب أنه تمليك فيه معنى التعليق ، والأول كالأصل ، فالترجيح به أولى .
البناية شرح الهداية — صفحة 407 | العيني