ولو وقع التعارض فالترجيح للمحرم
شرح
أيوب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال « نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن النهبة والمثلة » ومنها ما رواه أيضاً عن الحكم بن عمير وعامر بن قرط قالا قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « لا تمثلوا بشيء من خلق الله - عز وجل - فيه روح » .
م : ( ولو وقع التعارض فالترجيح للمحرم ) ش : وفي بعض النسخ ومتى وقع التعارض وأراد أن القاعدة إذا وقع التعارض بين الحديثين الذي أحدهما يقتضي الإباحة والآخر يقتضي التحريم ، فالذي يقتضي التحريم يرجح على الذي يقتضي الإباحة ، وهاهنا وقع انتقاض بين كون أن الإشعار سنة ، وبين كونه مثلة ، وفي كونه حراماً ، فالرجحان للمحرم والمعنى الفقهي أن المبيح يوجب جواز الامتناع ، والمحرم واجب الامتناع ، والواجب أقوى من الجائز ، وكان جماعة من العلماء فهموا عن أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - النسخ في ذلك ، حتى قال السهيلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في " الروض الأنف " ، فكان النهي عن المثلة بأثر غزوة أحد ، وحديث الإشعار في حجة الوداع ، فكيف يكون الناسخ متقدما ًعلى المنسوخ انتهى .
قلت : ليس في كلام المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ - ما يدل على أن الإشعار منسوخ بحديث النهي عن المثلة في أول مقدمه للمدينة ، وأشعر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الهدايا في آخر أيام حياته عام حجة الوداع ، فلو كان الإشعار من باب المثلة لما أشعر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لأنه نهى عنها قبل ذلك ، انتهى .
قلت : كلامه مع المصنف حيث قال ولأبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن الإشعار مثلة ، ولا إشكال هنا ، لأن مراد أبي حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ - ليس مطلق المثلة ، وإنما مراده المثلة التي لا يباح فعلها كقطع عضو من الأعضاء ، وفي معناه الإشعار بالرمح والشفرة ، وأما الإشعار الذي وصفوه بالمنصع أو بالشيء الذي يقطع الجلد دون اللحم ، فلا يكره . وأبو حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ما كره أصل الإشعار ، وكيف يكره ذلك مع ما اشتهر فيه من الآثار .
وقال الطحاوي - رَحِمَهُ اللَّهُ - وإنما كره أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ - إشعار أهل زمانه ، لأنه رآهم يفضون في ذلك على وجه يخاف منه هلاك البدنة لسرايته ، خصوصاً في حر الحجاز فرأى الصواب في سد هذا الباب على العامة ، لأنهم لا يقفون على الحد .
وفي " المبسوط " وأما من وقف على ذلك بأن قطع الجلد فقط دون اللحم فلا بأس بذلك ، والحاصل أن الذي قاله أبو حنيفة - رَحِمَهُ اللَّهُ - لا يدخل في باب المثلة الحقيقية حتى يرد عليه شيء ، والذي ذهب إليه كالمثلة التي أبيح فعلها كالختان وشق أذن الحيوان للعلامة ولا شك أن الختان هو قطع عضو ، مع أنه فرض عند الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - وأحمد وسنة مؤكدة عندنا فارقة