تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البناية شرح الهداية — صفحة 485

مساهمون:

ص٤٨٥
وما رواه محمول على ما قبل التحريم
شرح
قلت : حديث أبي هريرة أقوى لأن الحاكم وغيره من أئمة الحديث صححوه ، وحديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - رواه الدارقطني وقال : تفرد به داود بن صالح ، وكذا قال الطبراني والبزار وقال : لا يثبت ، والذي ذكره خارج عن صنعة أهل الحديث وعن اصطلاح الفقهاء أيضا . وكان ينبغي أن يرتب هذا السؤال والجواب من حديث أبي هريرة وحديث أبي قتادة ، والذي رواه الإمام مالك وأخرجه الأربعة وصححه الترمذي . فنقول وبالله التوفيق : إن حديث أبي هريرة لا يلحق حديث أبي قتادة في القوة فلا يخرج عليه . فإن قلت : قال بعضهم قوله : « ليست بنجس » من قول أبي قتادة . قلت : قال ابن عبد البر هذا غلط ، وروى الطبراني في " الصغير " من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن الحسين عن أنس قال : « خرج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى أرض بالمدينة يقال لها بطحان فقال : " يا أنس اسكب لي وضوءا " ، فسكبت له فلما قضى حاجته أقبل إلى الإناء وقد أتى هر فولغ في الإناء فوقف له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى شرب فذكرت له ذلك ، فقال : " يا أنس إن الهر من متاع البيت لن يقذر شيئا ولن ينجسه » قال : تفرد به عمر بن حفص فبقيت الكراهة لأنه لا يلزم عن سقوط النجاسة سقوط الكراهة . فإن قلت : إنما يكون كذلك لورود ذلك النص قبل هذا النص . قلت : يراد من ذلك النص حرمة اللحم لكونه صريحا فيها ومن هذا النص كراهة السؤر . م : ( وما رواه ) ش : أي ما رواه أبو يوسف - رَحِمَهُ اللَّهُ - من فعله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كان يصغي له الإناء . . . الحديث م : ( محمول على ما قبل التحريم ) ش : أي تحريم الهرة ، وذلك في وقت تحريم السباع . فإن قلت : من أين علم أن ما رواه أبو يوسف - رَحِمَهُ اللَّهُ - كان قبل التحريم . قلت : إذا اجتمع المبيح والمحرم في قضية ولا يعلم التاريخ فالعمل للمحرم ، وقيل : إذا لم يعلم التاريخ يجعل كأنهما وردا أيضا وإضافة الحرمة إلى ما هو صريح في التحريم أولى ، وبقيت الكراهة لقصور العلة ؛ لأنه يمكن أن تحفظ الأواني عنها بحيلة بأن تسد أفواهها ، ويقال : يحمل ما رواه أبو يوسف على أن الهرة التي كانت في بيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما كانت تأكل الفأرة كرامة للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأما غيرها فيحمل على أنها شربت عقيب أكل الفأرة ، ويحتمل غير ذلك فكان مكروها ، وكراهة