شرح
يكن غاسلا ، وقال أصحابنا وعامة الفقهاء : عليه إجراء الماء عليه وليس عليه دلكه به . روى هشام عن أبي يوسف أنه إن مسح الموضع بالماء كما يمسح بالدلك أجزأه ، وفي " التحفة " الغسل : تسييل الماء على الموضع ، والمسح : إمراره عليه ، فقد فسر المسح بما فسر الرازي الغسل به ، وفي " البدائع " : لو استعمل الماء من غير إسالته كالتدهين به لا يجوز في ظاهر الرواية ، وعن أبي يوسف أنه يجوز وعلى هذا لو توضأ بالثلج ، ولم يقطر منه شيء لا يجوز ، ولو قطر قطرتان أو ثلاث جاز لوجود الإسالة ، وفي " الذخيرة " : تأويل ما روي عن أبي يوسف إن سال من العضو قطرة أو قطرتان ، ولم يتدارك وفي " الأحكام " لابن بريدة صفة الغسل في الأعضاء المغسولة أن يبل العضو بالماء بلة ، وقال أبو يوسف : إذا مسح الأعضاء كمسح الدهن يجوز ، وقال بعض التابعين : ما عهدناهم يلطمون وجهوهم بالماء ، وجماعة العلماء على خلاف ما قاله أبو يوسف ؛ لأن تلك الهيئة التي قال بها لا تسميه العرب غسلا البتة .
قوله : { وُجُوهَكُمْ } [ المائدة : 6 ] جمع وجه ، وحكى الفراء في الوجوه ، وهي الأوجه ، وقال ابن السكينة : ويفعلون ذلك كثيرا في الواو ، إذا انضمت ، والوجه في اللغة مأخوذ من المواجهة وهي المقابلة ، وحده في الطول من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى اللحيين وهما عظما الحنك ويسميان التكثرة وعليهما منابت الأسنان السفلى ، ومن الأذن إلى الأذن ، وقال أبو بكر الرازي والأقطع : حده من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن إلى شحمة الأذن ، حكى ذلك أبو الحسن الكرخي عن أبي سعيد البردعي .
وقال الرازي : ولا يعلم خلافا بين الفقهاء في هذا المعنى ، ولذلك يقتضي ظاهر الاسم إذا كان إنما يسمى وجها لظهوره ، ولأنه يواجهه الشيء ، ويقابل به ، وهذا الذي ذكرنا من تحديده هو الذي يواجهه الإنسان ويقابله من غيره فإن قيل : فينبغي أن تكون الأذنان من الوجه لهذا المعنى ، قيل له : لا يجب ذلك ؛ لأن الأذنين يستران بالعمامة والقلنسوة والإزار ونحوها ، وفي " البدائع " لم يذكر الوجه في ظاهر الرواية وذكر في غير رواية الوصول كما ذكره في الكتاب ، وقال : هذا حديث صحيح مستخرج داخل العينين والأنف والفم وأصول شعر الحاجبين واللحية والشارب وونيم الذباب ودم البراغيث بخروجه من الوجه ، وقال أبو عبيد الله البلخي : لا يسقط ، وبه قال الشافعي في الجديد والمزني وأبو ثور وإسحاق بن راهويه مطلقا ، وحكى الرافعي قولا ، وقال في " المبسوط " العين غير داخل في غسل الوجه ، كما في إيصال الماء إليها حرج ؛ لأنه شحم لا يقبل الماء ، ومن تكلف من الصحابة فيه كف بصره في آخر عمره كابن عباس وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - .
وفي كتاب " العناية " للسروجي عن أحمد بن إبراهيم أن من غمض عينيه في غسل الوجه