شرح
النسفي في " المستصفى شرح المنافع " ، وشنع عليه الشيخ قوام الدين في شرحه ، ونسبه في ذلك إلى الغلط ، وقال : ليس الأمر كذلك ؛ لأن الالتفات لا يكون إلا فيما إذا كان حق الكلام بالغيبة وذكر بالخطاب أو بالعكس ولم يقع الكلام في الآية إلا في الموضع الذي اقتضاه .
قلت : على تقدير كلام النسفي صحيح ، والحط عليه مردود يفهم ذلك من التقرير الذي سبق ، بل الصحيح أن منع الالتفات هاهنا مبنى على أن " آمَنُوا " صلة " الذين " والموصولات غيب ، والضمير الذي يكون راجعا من الصلة إلى الموصول لا يكون إلا غائبا ويكن الجملة كلها أعني قوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } [ النساء : 43 ] في حكم الخطاب لأنه منادى فوجب أن يكون ما بعده خطابا ، فكان قولهم : قمتم بالخطاب واقعا في محله ، مخرجا على مقتضى ظاهره ، فلا يكون من الالتفات ؛ لأنه انتقال من صيغة إلى صيغة أخرى سواء كان الضمير بعضها إلى بعض ، أو من غيرها . وذهب بعضهم بناء على ما ذكر من أن قوله : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } [ النساء : 43 ] في حكم الخطاب إلا أن الغائبين إنما يدخلون تحت الخطاب بالدلالة أو بالإجماع ، وقال بعضهم : إنما قال : آمَنُوا دون آمنتم ليدخل تحته كل من آمن إلى يوم القيامة ، ولو قال : آمنتم لاختص لمن كانوا في عصر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
ثم اعلم أن تقييد الفعل بحرف الشرط في أكثر الكتب يكون لاعتبارات شتى لا يعرف ذلك إلا بمعرفة أدوات الشرط التي هي إن ، وأما ، وإذا ، وإذما ، وإذ ، ومتى ، وكيفما ، وأين ، وأينما ، وحيث ، وحيثما ، ومن ، وما ، ومهما ، وأي ، ولو ، وصاحب " العناية " لا يتكلم إلا في " إذا " أو " إذا " و " لو " لكثرة دورانها مع تعلق اعتبارات لفظية بهما ، أما " إن " و " إذا " فللشرط في الاستقبال يعني : لتعليق الفعل في الزمان المستقبل ، لكن أصل " إن " عدم الجزم بوقوع الشرط : يعني : عدم جزم القائل بوقوع شرطها ، ولا وقوعه ، بل بتجويز كل منهما لكونه غير متحقق الوقوع كما في " إن طلعت الشمس " وإلا لا وقوع كما في " إن طار إنسان " ونحو " إن يكرمني أكرمك : إذا لم يعلم القائل أنه يكرمه أم لا ، وأصل " إذا " الجزم . أي جزم القائل بوقوع الشرط تحقيقا وخطابا كقولك إذا جاء يحيى فإن مجيئه ليس قطعيا تحقيقا كطلوع الشمس ، بل تقديرا باعتبار خطابي أو ظني وهو أن المحب يزور الحبيب . فإذا تمهد هذا فنقول ذكرها في الآية الكريمة " بإذا " دون " إن " وذكر في آية الغسل بأن دون إذا ، وذلك أنه لما كان القيام إلى الصلاة من الأمور الملازمة والأشياء الغالبة بالنسبة إلى حال المؤمن ذكرها " بإذا " التي تدخل على أمر كائن أو منتظر لا محالة بخلاف الجنابة فإنها بالنسبة إلى القيام إلى الصلاة قليلة جدا ، وهي من الأشياء المترددة الوجود والأمور العارضة ، فلذلك خصت " بأن " .
فإن قلت : ما تقول في قوله : إن مات فلان ؟