ثم سألني بعض إخواني أن أملي عليهم المجموع الثاني
شرح
فنون كلها خير بالنسبة إلى ما في زعم أصحابها ، ألا ترى كيف قال الفرزدق ومن عادتي حب الديار لأهلها حيث جعل حب الديار لأجل أصحابها ملة وعادة ، وذلك خير بالنسبة إلى ما في زعمه ، وإن كان ذلك غير خير عند غيره ، وقالت الشراح هاهنا : إنه لما قال من سمت همته إلى مزيد الوقوف إلى آخره ، حرض بعد ذلك بقوله : والفن خير كله ، فكأنه قال علم الفقه كله خير ، فإن شئت فارغب في الأطول والأكبر كشفا وتأصيلا ، وإن شئت فارغب في الأقصر والأصغر حفظا وتحصيلا ، أو معناه حسن العلم فارغب في ذا أو في ذاك ، أو معناه حسن العلم فارغب في أي نوع شئت .
قلت : الذي دعاهم إلى هذا كونهم جعلوا قوله : " والفن خير كله " مرتبطا بقوله : " من سمت همته إلى آخره " والذي يظهر لي أنه مرتبط بشطر البيت الذي ذكره فكأنه يحرض بذلك إلى تحصيل فن من الفنون ؛ لأن الفنون كلها خير ، ولكن القرينة الحالية والمقالية دلت على أن مراده تحريضه وترغيبه في فن مخصوص متن وهو علم الفقه ؛ لأنه بصدد بيانه فافهم ، ثم الفن واحد الفنون ، وهي الأنواع وإلا فالأساليب وهي أجناس الكلام ، وطرقه وقوله " خير " بفتح الخاء وسكون الياء يقال : رجل خير وخير وكذلك امرأة خيرة وخيرة ، وهذا لا يراد به أفعل فإن أريد به أفعل التفضيل يقال : فلان خير الناس وفلانة خير الناس وهؤلاء خير الناس فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث قوله " كله " من ألفاظ التوكيد المعنوية فلا يؤكد به إلا المعرفة وقال الأخفش والكوفيون يؤكد به النكرة أيضا إذا كانت محدودة ويجب إضافتها إلى اسم مضمر راجع إلى المؤكد نحو قَوْله تَعَالَى : { فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } [ الحجر : 30 ] ( الحجر : الآية 30 ) فإذا أضيفت إلى المعرفة كانت لعموم الأفراد ، وإذا أضيفت إلى النكرة كانت لعموم الأجزاء ، فعلى هذا إذا قلت كل زمان مأكول يصح ؛ لأن المعنى كل فرد من أفراد الزمان مأكول ، وهذا لا يصح كما ترى ، وعن هذا قالت النحاة : كل اسم موضوع لاستغراق أفراد النكرة نحو : { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ } [ آل عمران : 185 ] ( سورة آل عمران : آية 185 ) ، والمعرف كالمجموع نحو " كنتم " آية وأجزاء المفرد المعرف نحو كل زيد حسن ، فإذا قلت : أكلت كل الرغيف لزيد كانت لعموم الأفراد فإذا أضيف الرغيف إلى زيد صارت لعموم أجزاء فرد واحد ، وقوله : " الفن " مبتدأ ، وخبره قوله " خير " ، وقوله " كله " تأكيد للفن والمعنى كل فرد من أفراد الفن خير والألف واللام فيه إما للجنس فالمعنى أي فن كان من الفنون ، وإما للعهد فالمعنى فن الفقه أي علم الفقه كله خير .
م : ( ثم سألني بعض إخواني أن أملي عليهم المجموع الثاني ) ش : " بعض إخواني " كلام إضافي مرفوع ؛ لأنه فاعل سألني ، وهو جمع أخ وأراد به الأخ في الدين ، وإنما قال : " بعض إخواني " ؛ لأنه لا يمكن السؤال من إخوانه كلهم ؛ لأن المؤمنين شرقا وغربا إخوانه في الدين ، قال الله