ومن أعجله الوقت عنه يقتصر على الأقصر والأصغر ، وللناس فيما يعشقون مذاهب ، والفن خير كله .
شرح
التطويل ، وذكر في مقابلتهما شيئين : الرغبة في الأطول والأكبر ، والاقتصار على الأقصر والأصغر . وأشار إلى [ أن ] من كانت همته عالية يرغب في الفصل الأول ، ومن كانت همته قاصرة يقتصر على الفصل الثاني .
قوله : " سمت " : أي : علت ، من السمو وهو العلو . ( والهمة ) ، بكسر الهاء : ما يهم فيه الرجل بقلبه وقالبه . وجاء الفتح في الهاء .
قوله : " مزيد الوقوف " : أي زيادة الوقوف على الأقسام العسيرة من الفروع .
قوله : " يرغب " : من رغب في الشيء : إذا أراده ، رغبة ورغبا بالتحريك ، وارتغب فيه مثله . ورغب عن الشيء : إذا لم يرده . ومحل " يرغب " الرفع ؛ لأنه خبر لقوله " من سمت " والأطول يقابله الأقصر ، والأكبر يقابله الأصغر ، والأشياء تتبين بضدها .
م : ( ومن أعجله الوقت عنه يقتصر على الأقصر والأصغر ) ش : أعجله بمعنى عجله أي : استحثه عن أن يريد الوقوف . وفيه من محاسن الكلام اشتماله على الطباق ، ويسمى المطابقة : وهي الجمع بين المتضادين ، يعني معنيين متقابلين في الجملة ، فإن ذكر الأطول وذكر ما يقابله وهو الأقصر ، وذكر الأكبر وذكر ما يقابله وهو الأصغر من هذا الباب . وفيه من المحاسن اشتماله على الجمع . وفيه أيضا إسناد مجازي ، وهو إسناد أعجل إلى الوقت ، وهو مجاز عقلي ، كما في قوله : " قيام الليل وصيام النهار " . وأشار بهذا الكلام إلى أن طلاب العلم على قسمين : أحدهما : من همته عالية لا يقنع بالقليل منه ، والآخر : من همته قاصرة يقنع باليسير منه . ويجوز أن تكون هذه القسمة من جهة سعة الوقت وضيقه على ما [ لا ] يخفى .
ومن مذهبي حب الديار لأهلها . م : ( وللناس فيما يعشقون مذاهب والفن خير كله ) ش : هذا شطر بيت وقبله : " ومن عادتي حب الديار لأهلها " وهو من قصيدة بائية من الطويل قالها أبو فراس واسمه همام ، وقيل هميم بالتصغير ابن غالب التميمي ، وفرزدق لقبه لقب به ؛ لأنه كان جهم الوجه ، والفرزدق في الأصل قطع العجين واحدتها فرزدقة ، وقيل لقب به لفظه وقصره شبه القنينة التي يشير بها النساء وهي الفرزدقة ، والأول أصح ؛ لأنه أصابه جدري في وجهه ثم برأ منه فتبين وجهه جهما متقطبا ، توفي بالبصرة سنة عشر ومائة ، وأشار بهذا البيت إلى أن الناس لهم أهواء مختلفة ، ولهم فيما يميلون إليه مذاهب وطرق مختلفة في كل فن من الفنون ، ولهذا أشار إليه بعد ذلك بقوله : " والفن كله خير " أراد به إن كل فن من أي فن كان الذي يميل إليه الشخص هو خير عنده في زعمه ، وإن كان غير خير عند غيره ؛ لأنا ذكرنا أن الناس لهم أهواء مختلفة وهي