يقرب حب الموت آجالنا لنا . . . وتكرهه آجالهم فتطول
فوالله لقد أجاد وذهب عني كل ما كان من الفزع والجزع ، واستأنست به وأخذني من الطرب ما لا مزيد عليه ، وعالجني النوم قبل أوانه فنمت ، ولم أستيقظ إلا بعد المغرب ، وجال فكري في هذا الحجام وأدبه وظرفه ، وكيف غناؤه وأدبه وإرادته أن يسليني عما أنا فيه إشارة إلى تخصيصه بالوفاء لضيفه ونصره لجاره ، فقعدت وغسلت وجهي ويقظته ، وأخذت خريطة كانت صحبتي فيها دناينر ومصاغ لها قيمة فدفعتها إليه ، وقلت له : أنت في وداعة الله وحفظه فإني ماض عنك ، وأسألك أن تصرف ما في هذه الخريطة في بعض مهماتك ، ولك عندي ، إذا أمنت ، المزيد ، فأعادها علي مبادراً وقال : يا سيدي ! الصعلوك لا قيمة له عند أهل الرياسات ، ويظنون فيه الظنون الرديئة ، أفآخذ على ما وهبني الله من قربك وحلولك في منزلي ثمناً ؟ لا والله ، فألححت عليه ، فأخذ موسى بيده وقال : والله إن راجعتني لأنحرن نفسي ، فخشيت عليه وأخذت الخريطة وأثقلني حملها ، فلما انتهيت إلى باب الدار ، قال : يا سيدي إن هذا الموضع أخفى لك من غيره ، وليس عندي في مؤنتك ثقلة ، فأقم عندي إلى أن يفرج الله عنك . فرجعت وسألته أن يكون منفقاً من تلك الخريطة فلم يفعل ، وكان كل يوم يفعل بي مثل ما فعل في اليوم الأول .
قال : فأقمت أياماً في أطيب عيش وأهناه ، ثم سئمت من الإقامة عنده وخشيت الثقل عليه ، فتركني ومضى يجدد لنا حالنا ، فلبست ثيابي وتزينت بزي النساء بالخف والنقاب ، وخرجت . فلما صرت في الطريق داخلني من الخوف والفزع أمر شديد ومشيت لأعبر الجسر ، وإذا هو قد رش ، ورجل قائم فأبصرني بعض من كان في خدمتي من الجند فتعلق بين وقال : طلبة أمير المؤمنين ، فدفعته في صدره فوقع في الزلق وصار عبرة وتبادر الناس إليه فاجتهدت في المشي حتى قطعت الجسر ، ودخلت زقاقاً فوجدت باباً وامرأة واقفة فيه ، فقلت : يا سيدة النساء ، احقني دمي فإني رجل خائف .
فقالت : ادخل ، فدخلت فأطلعتني إلى غرفة وفرشت لي وقدمت لي طعاماً . وقالت : ليهدأ روعك فإنه لا يعلم بك مخلوق ، ولو أقمت سنة ما عليك بأس ، وإذا بالباب يدق ، فخرجت وفتحت الباب ، فإذا هو صاحبي الذي دفعته على الجسر ، وهو مشدوخ الرأس ودمه يسيل على ثيابه ، فقالت له ما دهاك ؟ قال : إن حديثي عجيب وأمري غريب ظفرت بالفتى وانفلت من يدي .
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء ) — صفحة 228
مساهمون: محمد دياب الإتليدي
ص٢٢٨