تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء ) — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
إبراهيم بن المهدي والمأمون قال الواقدي : كان إبراهيم بن المهدي ادعى لنفسه الخلافة بالري وأقام مالكها سنة وأحد عشر شهراً واثني عشر يوماً وله أخبار كثيرة . فما حكاه قال : لما دخل المأمون الري في طلبي أثقل علي الطلب وجعل لمن دل علي وأتاه بي مائة ألف درهم ، فخفت على نفسي ، وتحيرت في أمري ، فخرجت من داري وقت الظهر ، وكان يوماً صائفاً ، وما أدري أين أتوجه ، فمررت بزقاق لا ينفذ ، فقلت : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، وخفت إن رجعت على أثري يعلموا بين فرأيت في صدر الزقاق عبداً أسود قائماً على باب داره ، فتقدمت إليه ، وقلت له : عندك موضع أقيم فيه ساعة من النهار ؟ قال : نعم ، وفتح الباب ، فدخلت إلى بيت نظيف فيه حصر نظيفة وبسط ومخدات جلد ، ثم إنه أغلق الباب علي ومضى ، فخفت أن يكون سمع الجعالة في حقي ، وأنه عرفني ومضى ليدلهم علي ، فبقيت مثل الحبة في المقلاة قلقاً ميتاً من الخوف ، فبينما أنا كذلك ، إذ أقبل ومعه حمال حامل كل ما أحتاج إليه من لحم وخبز وقدر جديدة وجرة وكيزان جدد ، ثم التفت إلي وقال : جعلني لله فداك ! أنا رجل حجام ، وأنا أعرف أنك تنفر مني لما أتولاه من معيشتي ، فشأنك بما لم تقع عليه يدي . وكان لي حاجة إلى الطعام فقمت وطبخت قدراً ما ظننت أني أكلت مثلها قدراً ، فلما قضيت أربي ، قال لي : هل لك أن تشرب شيئاً فإنه يسلي الهم ويزيل الغم ، ويمهد للنفس الفرح ؟ قلت : ما أكره ذلك ، رغبة في مؤنسته . فأتى بقطرميز جديد وأحضر لي نقلاً وفاكهة في أوان جدد من فخار ، ثم قل بعد ذلك : إن أذنت لي ، جعلت فداك أن أقعد بناحية منك وآتي بشراب فأشرب مسروراً بك . فقلت : افعل . ففعل وشرب ثلاثاً ، ثم خل إلى خزانة له : فأخرج عوداً مصلحاً ، ثم قال : يا سيدي ليس من قدري أن أسألك أن تغني ، ولكن قد وجب على مروءتك حرمتي ، فإن رأيت أن تشرف عبدك بأن تغني لنفسك والعبد يسمع فافعل . فقلت له : ومن أين لك أني أحسن الغناء ؟ فقال متعجباً : سبحان الله ! أنت أشهر من ذلك ، أنت إبراهيم بن المهدي خليفتنا بالأمس الذي جعل المأمون لمن يدل عليك مائة ألف درهم .