ففعلت . ووقف وسمع وقع حوافر الخيل عن قرب فقال : يا عمرو . كن عن يمين الطريق وقف وحول وجه دوابنا إلى الطريق .
ففعلت ووقفت عن يمين الراحلة ووقف عن يسارها ودنا القوم منا وإذا هم ثلاثة أنفار : شابان وشيخ كبير ، وهو أبو الجارية والشابان أخواها . فسلموا فرددنا السلام . فقال الشيخ : خل عن الجارية يا ابن أخي .
فقال : ما كنت لأخليها ولا لهذا أخذتها .
فقال لأحد ابنيه : اخرج إليه ، فخرج وهو يجر رمحه فحمل عليه الحرث وهو يقول :
من دون ما ترجوه خضب الذابل . . . من فارس ملثم مقاتل
ينمي إلى شيبان خير وائل . . . ما كان يسري نحوها بباطل
ثم شد على ابن الشيخ بطعنة قد منها صلبه ، فسقط ميتاً ، فقال الشيخ لابنه الآخر : اخرج إليه فلا خير في الحياة على الذل ، فأقبل الحرث وهو يقول :
لقد رأيت كيف كانت طعنتي . . . والطعن للقرم الشديد الهمة
والموت خير من فراق خلتي . . . فقتلتي اليوم ولا مذلتي
ثم شد على ابن الشيخ بطعنة سقط منها ميتاً ، فقال له الشيخ : خل عن الظعينة يا ابن أخي ، فإني لست كمن رأيت ، فقال : ما كنت لأخليها ، ولا لهذا قصدت .
فقال الشيخ : يا ابن أخي اختر لنفسك فإن شئت نازلتك وإن شئت طاردتك فاغتنمها الفتى ونزل فنزل الشيخ وهو يقول :
ما أرتجي عند فناء عمري . . . سأجعل التسعين مثل شهر
تخافني الشجعان طول دهري . . . إن استباح البيض قصم الظهر
فأقبل الحرث وهو ينشد ويقول :
بعد ارتحالي ومطال سفري . . . وقد ظفرت وشفيت صدري
فالموت خير من لباس الغدر . . . والعار أهديه لحي بكر
ثم دنا فقال له الشيخ : يا ابن أخي إن شئت ضربتك ، فإن أبقيت فيك بقية فيَّ فاضربني ، وإن شئت فاضربني . فإن أبقيت بقية ضربتك .
فاغتنمها الفتى وقال : أنا أبدأ .
فقال الشيخ : هات .
إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء ) — صفحة 21
مساهمون: محمد دياب الإتليدي
ص٢١