فتنوه ( 1 ) ، وعندما حذر الرسول منهم طالب المسلمين باعتزالهم قائلا : ( لو أن
المسلمين اعتزلوهم ) ( 2 ) ووضح الرسول الصورة فأكد أن قسما من أصحابه
المحسوبين عليه سيحدثون من بعده أحداثا ( 3 ) وأنهم سيرتدون منذ اللحظة التي
يموت فيها النبي ( 4 ) وأنهم من الهالكين لأنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى ولن
ينجو منهم غير النادر ( 5 ) ومن المؤكد أن رسول الله قد نصح ذلك النفر ،
وحذرهم من مغبة ما يضمرون لأنهم إن نقضوا أول عروة من عرى الإسلام ،
فستنقض تبعا لها كافة عرى الإسلام ، ومن المؤكد أن ذلك النفر لم يقدر نصيحة
رسول الله حق قدرها لأنهم كانوا موقنين أن الرسول بشر يتكلم في الغضب
والرضى ، ولا ينبغي أن يحمل كلامه على محمل الجد ! ! ! لقد وثقنا ذلك أكثر
من مرة ، ولأنهم كانوا يعتقدون أن الرئاسة العامة أمر دنيوي ، وأن ذلك النفر
أعلم بشؤون الدنيا ومصلحة المسلمين من الرسول نفسه ! ! لقد أقنعوا أنفسهم
بذلك فمضوا نحو غايتهم ، كان قلب النبي الشريف يذوب أسى ، ولكن ماذا
كان بإمكانه أن يفعل غير ما فعل ! !
ب - في الوقت نفسه الذي ارتبط فيه ذلك النفر مع النبي والذين آمنوا
برابطة الإسلام ، احتفظ ذلك النفر مع زعامة بطون قريش بروابط الدم
والقربى والتعاطف ، فكانت مواقفهم متعاطفة مع بطون قريش ، وكانوا
يجهرون بذلك التعاطف علنا أنظر إلى قول عمر مخاطبا رسول الله أمام
الأنصار والمهاجرين قبل معركة بدر ( يا رسول الله إنها والله قريش وعزها
والله ما ذلت منذ عزت ، والله ما آمنت منذ كفرت ، والله لا تسلم عزها أبدا ،
هامش
( 1 ) رواه أحمد وقال الهيثمي أحمد والبزار ورجاله رجال الصحيح ، الفتح الرباني ج 23 ص 240 .
( 2 ) صحيح البخاري ج 2 ص 280 ، وصحيح مسلم ج 12 ص 14 ، والفتح الرباني ج 3 ص 39 ، ومعالم
الفتن ج 1 ص 303 .
( 3 ) صحيح البخاري ج 1 ص 141 ، وصحيح مسلم ج 15 ص 159 ، وكنز العمال ج 14 ص 418 .
( 4 ) صحيح البخاري تفسير سورة الأنبياء ج 3 ص 160 ، وصحيح مسلم ج 17 ص 94 .
( 5 ) صحيح البخاري ج 4 ص 142 كتاب الدعوات باب الصراط .