تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
الزيادة وسببها ، فيكون معنى قولهم شرقت البلاد أي كثر هبوب الرياح الشرقية حتى نسفت الماء وأظهرت الأرض ، ثم سميت الأرض شرقية باسم الريح وجمعت على شراقي مثل كرسي وكراسي وبختي وبخاتي ، وأما النيل فهو فعل من نال نيلا ومن نال ينول نولا ، يقال نولته تنويلا ونلته نولا إذا أعطيته ، والنيل اسم ما يُنال مثل الرعي للمصدر والرعي لما يُرعى وليس هذا من غرضنا ولكنه أمر عنّ فقلنا فيه . فمتى نقص عن الست عشرة ذراعاً فهو ابتداء التفريط المقابل للإفراط ، وكنا قد سُقنا في الكتاب الكبير سني الإفراط والتفريط منذ الهجرة إلى سنَتِنا هذه ، وأما هنا فإنّما قص ما شاهدناه على ما شرطنا . واتفق أن زيادة النيل بلغت سنة ست وتسعين وخمسمائة اثنتي عشرة ذراعا وإحدى وعشرين إصبعا ، وهذا المقدار نادر جدا ، فإنه لم يبلغنا منذ الهجرة إلى الآن ، أنّ النيل وقف على هذا الحد قطّ إلّا في سنة ست وخمسين وثلاثمائة ، فإنّه وقف على دون هذا المقدار بأربع أصابع ، وأما وقوفه على ثلاث عشرة ذراعاً وأصابع ، فإنه وقع نحو ست مرات في هذه المدة الطويلة ، وأما أربع عشرة ذراعا وأصابع ، فإنه وقع نحو عشرين مرة ، وأما خمس عشرة ذراعا فأكثر من ذلك كثيرا ونحن نسوق أحوال زيادته في هذه السنة أعني سنة ست وتسعين وخمسمائة ، ثم نتبع ذلك بما حصل عندنا من علل ذلك وقوانينه ، فنقول أن العادة جارية أن تبتدئ الزيادة من أبيب وتعظم في مسرى وتتناهى في توت أو بابه ثمّ تنحطّ ، فدخل أبيب في هذه السنة وابتدأ النيل يتحرك بالزيادة وكان قبل ذلك بنحو شهرين قد بدت في مائه خضرة سلقية ، ثم كثرت وظهرت في رائحته ذفرة كريهة وعفونة طحلبية كأنه عصارة السِّلق إذا بقي أياما حتى يعفن ، وجعلت منه وعاء ضيِّق الرأس فعلاه سحابةٌ خضراء فرفعتها برفق وتركتها تجف إذا بها طحلب لا شك فيه ، ويبقى الماء بعد رفع هذه السحابة غير صاف لا خضرة فيه إلّا أن طعمه وريحه باقيان ، وتجد فيه أيضا أجساما صغارا نباتية مبثوثة كالهباء ولا ترسب وصار أرباب الحِمية يتجنبون شربه وإنما يشربون ماء الآبار ، وأغليته بالنار ظنّا مني أنه يصلُح بذلك كما وصّى الأطباء أن يُفعل بالمياه المتغيّرة فزاد طمعه وريحه كراهة وسهكا فوجِدت عليه ، ذلك أنّ الأجزاء النباتية التي هي مبثوثة فيه