تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
أذرع وكون هذا أيسر من الأول ، وأيضا ، فأن جرية النيل الأصلية مادّتها عيون ، وأما زيادته فمادتها أمطار ، ونقصان العيون دليل على احتراق السنة ويبس الهواء وقلة البخار فيقل المطر لذلك ، وأيضا فإنّ المدّ الزائد على القاع أكثره في الغالب ثلاث عشرة ذراعا فإذا ، كأن القاع ذراعا أو ذراعين ثم زاد عليه أكثر المد وهو ثلاث عشرة ذراعا ، لم يلحق ماء السرطان . وأما كون الخضرة دليلا على قلة الزيادة ، فلأن النيل الماضي يغادر نقائع وغدرانا بعضها ينضب وبعضها يطحلب ويعطن ويأسن ، فإذا مرت بها أمطار ضعيفة اختلطت بها وصبّتها إلى النيل ، ولم يكن فيها من الكثرة ما يغلب على النقائع فيصلحها ، بل النقائع تغلب على الأمطار المتّصلة بها فتحيلها إلى الفساد وينحط منها مقدار بعد مقدار ويتواصل إلينا ، وكلما كانت الأمطار أضعف وأقل ، كانت أيام جري الخضرة أطول فإذا كانت أمطار قوية ، غسلت تلك المستنقعات وغلبت عليها وحورتها بسرعة ، مغمورة بطين تجرفه بقوّتها فيخفي منظرها ، ويتعفى أثرها ، وأيضا فإن الأنهار الخارجة من جبل القمر تجتمع بأخرى إلى بركة عظيمة ذات مساحة فسيحة ومن هذه البركة يخرج هذا النيل ، ولا شك في أن هذه البركة ملؤها دائم فيطحلب ولا سيّما شطوطها وضحاضحها ، فإذا وقع الوسمي وجرى إليها سيوله ، أثارت ما في قعرها وحركت ما كان ساكنا فيها وانكسح أيضا ما في الشطوط إلى الأوساط وانسحبت إلى حمل الجرية فاستصحبته ، وأما كون الخضرة في أبيب دليل النقصان فلأن أبيب مظنة الزيادة وغلبة الماء على هذه الأوشاب ، فإذا بقي على خضرته إبّان زيادته أذِن بقلَّته ، وهذه الأجزاء النباتية التي تصحب الماء إنما هي حطام النبات المتكوِّن في الماء وحوله كالبردي والديس والسمار المطحلب وغير ذلك ، فتعفّن فيه وتصفّر أجزاؤه وتنبعث معه ، ومما يوجب انبعاثها أيضا نقصان الماء من تلك البركة فإن ماءها إذا قلّ اتصلت الجرية بقعرها فانسحب كدَرُها وراسِبها ، وإذا كانت غمرا كانت الجرية من أعلاها وصفوها فاعرف ذلك ، ولهذا لا تأتي هذه الخضرة إلّا في السنة التي يحترق فيها النيل وكلما كان احتراقه أشد ، كان ظهور الخضرة أكثر ، وفي السنة التي كون نيلها غمرا لا يحترق لا ترى الخضرة ، لأن كثرته لكثرة مبدية وارتفاع جريه عن مقر كدورته ، فإذا اجتمعت هذه الدلائل كلها أو جلّها في سنة ، فظنّ ظنا قوياً بأنّ الزيادة قليلة فيها فهذه
الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر — صفحة 47 | موفق الدين عبد اللطيف البغدادي