الوجه الثاني : إن المرادَ بالآية المنافقونَ ، لأنهم كانوا يظهرون الإيمان ، ويبطنونَ الشركَ ، فما كانوا يؤمنون ظاهرًا إلا وهم مشركونَ باطنًا ، وروي هذا عن الحسن البصري . ( 1 )
الوجه الثالث : أنهم أهلُ كتابِ يؤمنونَ بكتابهم ، ويقلِّدون [ 1 ] علماءهم في الكفر بغيره ، ويقولون : المسيحُ ابنُ الله ، وعزيزٌ ابن الله ، فهم يؤمنون بما أنزل الله على أنبيائهم حالَ كونهم مشركينَ . ( 2 )
الوجه الرابع ( 3 ) : إن المقصودَ بذلك ما كان يقع في تلبيةِ العرب من قولهم : ( لبيك لا شريكَ لك إلا شريكٌ هو لك ) ( 4 ) فقد كانوا في هذه التلبيةِ يؤمنون بالله وهم مشركونَ . روي نحوُ ذلك عن ابن عباس .
الوجه الخامس : إن المراد بهذه الآيةِ المرآؤن من هذه الأمةِ ، لأن الرياء هو الشركُ المشارُ إليه بقوله - صلى الله عليه وآله وسلم - : « الشرك أخْفى في أمتي من دبيب
هامش
( 1 ) ذكره ابن كثير في تفسيره ( 4 / 418 ) : قال الحسن البصري في قوله تعالى : { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ } قال : ذاك المنافق يعمل إذا عمل رياء الناس ، وهو مشرك بعمله ذاك يعني قوله تعالى : { إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } [ النساء : 142 ] .
وانظر : ( الجامع لأحكام القرآن ) ( 9 / 273 ) .
( 2 ) قال الألوسي في ( روح المعاني ) ( 13 / 66 ) : وعن ابن عباس أنهم أهل الكتاب أقروا بالله تعالى وأشركوا به من حيث كفروا بنبيه صلى الله عليه وسلم أو من حيث عبدوا عزيزًا والمسيح عليهما السلام .
وقيل : أشركوا بالنبي واتخاذهم وأحبارهم ورهبانهم أربابًا . وانظر : ( الجامع لأحكام القرآن ) ( 9 / 273 ) .
( 3 ) ذكره الألوسي في ( روح المعاني ) ( 13 / 66 ) . والقرطبي في ( الجامع لأحكام القرآن ) ( 9 / 273 ) .
( 4 ) أخرج مسلم في صحيحه رقم ( 22 / 1185 ) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان المشركون يقولون : لبيك لا شريك لك قال : فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ويْلكم قدْ قدْ » فيقولون : إلاَّ شريكًا هو لك . تملكه وما ملك يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت ) .