تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 6212

مساهمون:

ص٦٢١٢
فأشكل علينا هذا الكلامُ ، وكان قد دار بيني وبين الوالد العلامة درةُ تاجِ الفضلِ والكرامة ، مَعيْنُ المعارفِ ، سلوةُ المؤلفِ والمخالفِ ، الحسن بن علي حنش ( 1 ) - كثر الله فوائده ، ومد على الطلاب موائده [ 1 ] - فقلت له : أيُّ معنى لتفسير حكم الله في عَرَصاتِ القيامة بين هؤلاء بأنَّه سيعذِّبهم في الدنيا حال كونه يومَ القيامة ؟ هل هذا إلا تناقضٌ ظاهرٌ ؟ ولو كان سَوْقُ الآية هكذا : ( فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابًا شديدًا في الآخرة ) لكان المعنى واضحًا لا غبار عليه ، وكان التفسير للحكم ظاهرًا لمن لمح إليه . فأجاب الوالد العلامة الحسن - دامت فوائده - بأن قال : المساقُ صحيحٌ ، والتفسير في الآية واضح صريحٌ ، وأن الله أخبر أن حُكْمَهُ في الكافرين تعذيبُهم في الدنيا والآخرة ، وأن كلام العلامة جار الله ( 2 ) لا يحتمل زيادةً على هذا . . . وقال - عافاه الله - لما بشَّر الله عيسى بأنه رافعه ومطهِّرُه ، وكذا وكذا رتَّب على تلك البشارةِ بشارةً أخرى لعيسى وغيره فقال : { فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا } إلخ الآيات . لكنه لم يظْهَرْ لي ما قاله - أي قول الوالد العلامة الحسنِ - عافاه الله - ولا تبيَّن لي صحَّةُ كلام جار الله على إيجازه ، وعدم الإطالة . وكان قد ظهر لي بعد التأمل الطويلِ شيءٌ ، وهو أن جَعْلَ الذين اتبعوه فوق الذين كفروا إلي يوم القيامة مجهولٌ ، ( 3 ) بيَّن بأن الذين كفروا معذَّبين في الدنيا : { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا } ( 4 ) والأمرُ كذلك ، وفي الآخرة لهم عذابُ النارِ . فهذا معنى جَعْلِ الذين اتبعوه فوقَ الذين كفروا . وأما الذين آمنوا ففوقيَّتُهم متحققة في الدنيا والآخرة : { وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ
هامش
( 1 ) تقدمت ترجمته . ( 2 ) أي الزمخشري في ( الكشاف ) ( 1 / 562 ) . ( 3 ) انظر تفصيل ذلك في الرسالة رقم ( 29 ) . ( 4 ) [ آل عمران : 112 ] .