تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 6215

مساهمون:

ص٦٢١٥
[ جواب القاضي الشوكاني على الرسالة السابقة ] الحمد لله وحدَه . لما وقفَ الحقير على هذا التحرير ظهر له أن قولَه تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ . . . } إلى قوله { وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } استئنافٌ ( 1 ) تقدير السؤالِ ، كأنه لما سمعَ السامعُ ذِكْرَ حزبِ الإيمان وحزب الكفرانِ مع ذكر كونِ طائفةِ المؤمنينَ فوقَ طائفةِ الكافرين تشوَّق إلى استيضاحِ الأمرِ ، ومعرفةِ جليِّة الحال عن شأن الحزبينِ ، فكأنه قال : ما ذاك تكونُ حالُ طائفةِ الكافرينَ ، وطائفة المؤمنين ، بعد أن أخبر الله - عز وجل - أنه جاعل إحدى الطائفتين فوق الأخرى ، فإن هذا الجعلَ المجملَ لا ريبَ أنه أعظمُ باعثٍ على أخفاء [ 3 ] السؤال عن أسبابه . فقال - جل جلاله - : { فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا } . { وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا } ولا يلزمُ انحصارُ الجعل المجمل في هذا البيان ، بل يمكن أن يكون بأسباب كثيرةٍ وقعَ البيان لبعضها ، وأهمُّها . فالحاصلُ أن قولَه تعالى : { فَأَمَّا الَّذِينَ } استئناف بيانيٌّ جوابٌ لسؤالٍ منشؤُه قولُه تعالى : { وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ } وما رجَّحه جار الله - رحمه الله - لا ريب أن فيه إشكالاً ، لأن الأفعال إذا انضم إليها ذِكْرُ الأزمنة أو الأمكنة تقيَّدتْ بالمذكور . تقول ضَرَبْتُه يوم الجمعةِ ، وفي الدار ، فكان الضربُ مطلقًا . فلما قيل يومَ الجمعة ، وفي الدار لم يبقَ له صدقٌ على ضربٍ واقعٍ في يوم السبتِ مثلاً ، وفي المسجد ، وهكذا سائرُ القيودِ والمتعلقاتِ . إذا تقرر هذا فقولُه تعالى : { فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ } مفيدٌ بكونِه بعد المرجعِ إلى الله ، كما تُشْعِرُ به ( الفاءُ ) الدالةُ على الترتيبِ والتعقيبِ . ( 2 )
هامش
( 1 ) الفاء : استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتكون تفسيرًا للحكم بين الفريقين . انظر : ( إعراب القرآن الكريم وبيانه ) ( 1 / 521 ) محيي الدين الدرويش . ( 2 ) أي أن المعطوف بعد المعطوف عليه بحسب ما يمكن . وهو معنى قولهم إنّها تدل على الترتيب بلا مهملة أي : في عقبه ولهذا قال المحققون منهم : إن معناها التفرق على مواصلة . وهذه العبارة تحكي عن الزجاج وأخذها ابن جني في ( لمعه ) ومعنى التفرق أنها ليست للجمع كالواو . ومعنى على مواصلة : أي : أن الثاني لما كان يلي الأول من غير فاصل زماني كان مواصلاً له . انظر : ( البحر المحيط ) ( 2 / 261 - 262 ) .