تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 6132

مساهمون:

ص٦١٣٢
سمعت عديًا الكندي قال : حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول : سمعت رسولَ الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول : « إن الله لا يعذِّب العامَّة بعمل الخاصَّة حتَّى يروا المنكرَ بين ظهرانِيهم ، وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه ، فإذا فعلوا ذلك عذَّب الله العامَّة والخاصَّة » انتهى . ولا شك أَن كثيرًا من الفتن الواقعة في أيام الصحابةِ هي من هذا القبيلِ ، فإن فتنةَ يوم الجمل لم يُصَبْ بها الباغي وحدَه ، بل قُتِلَ فيها جماعة من المحقِّينَ ، وكذلك أيامُ صفِّينَ فإِنه قتل فيها من المحقينَ ألوف مؤلَّفة منهم عمار بن ياسر ، ولكن الشأن في كون الفتنةِ التي هي سببُ النزول هي فتنة معينة ، فإن ذلك لم يثبتْ . وقد أورد الرازي في تفسير هذه الآية من مفاتيح الغيب ( 1 ) سؤالاَ وأَجاب عنه فقال : ( فإن قيل ) ( حاصل ) الكلام في الآية أَنه تعالى يخوِّفهم بعذابٍ لو نزل [ 4 ب ] لعمَّ المذنبَ وغيره ، وكيف يليق برحمة الرحيم الحكيمِ أن يوصلَ الفتنة والعذابَ إِلى من لم يذنبْ : - ؟ قلنا : إنه تعالى قد ينزل الموتَ والفقر والعمى وإنزاله بعبيده ابتداء ، لأَنه يحسن منه تعالى ذلك بحكم المالكيةِ ، ولأنه تعالى علم اشتمالَ ذلك على نوع من أنواع الصلاح على اختلاف المذهبينِ ، وإِذا جاز ذلك لأجل هذين الوجهين فكذا هاهنا والله أعلم بمراده ) انتهى . وأقول : هذا إنما يكون مشكلاً إِذا كانت الفتنةُ المذكورة تصيب من لم يكن له ذنبٌ قطُّ ، وأَما إِذا قيل إِنها تصيب الذين ظلموا - أَي باشروا المعصيةَ الموجبة لاتصَّافهم بالظلمِ ، والذين لم ينكروا المنكرَ مع وجوب ذلك عليهم كما تقدم ، لم يكن ما في الآية مشكلاً ، لأن الذين ظلموا أصيبوا أيضًا بذنوبهم - وهي ترك إنكارًا المنكرِ مع التمكُّن منه ، لكنه يشكل على هذا أن الذين تركوا إِنكار مع وجوبه قد صاروا من جملة الظلمةِ ، لأنهم اقترفوا ذنبًا - وهو ترك الإنكار الواجبِ ، اللَّهم إلا أن يقالَ : إِن المرادَ بالذين ظلموا في الآية هم الفاعلون للمعصية التي يجب
هامش
( 1 ) في تفسيره ( 15 / 150 ) .