تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 6071

مساهمون:

ص٦٠٧١
والإطناب ( 1 ) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
هامش
( 1 ) الإطناب : هو زيادة اللفظ على المعنى لفائدة جديدة من غير ترديد . وقولهم في التعريف : ( ( زيادة اللفظ على المعنى ) ) عام في الإطناب ، وفي الألفاظ المترادفة كقولنا : ليث وأسد ، فإنه من زيادة اللفظ على معناه . وقولهم لفائدة : يخرج عنه التطويل الذي هو زيادة من غير فائدة . وقولهم : ( جديدة ) : تخرج عنه الألفاظ المترادفة ، فإنها زيادة في اللفظ على المعنى لفائدة لغوية ، ولكنها ليس جديدة . وقوله : ( من غير ترديد ) يتحرز به عن التواكيد اللفظية في مثل : ( اضرب اضرب ) فإنها زيادة اللفظ على المعنى لفائدة جديدة وهي التأكيد لكنه ترديد اللفظ وتكريره بخلاف الإطناب فإنه خارج عن التأكيد وحاصل الإطناب الاشتداد في المبالغة في المعاني أخذًا من قولهم : أطنبت الريح إذا اشتد هبوبها ، وأطنب الرجل في سيره إذا اشتد فيه . 1 - وقد يقع الإطناب : قد يكون واقعًا في جملة واحدة : أ - في الجملة الواحدة على جهة الحقيقة ومثال ذلك . قال تعالى : { فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ } فإن المعلوم من حال السقف أنه لا يكون إلا فوق ، وإنما الغرض المبالغة في الترهيب والتخويف والإنكار والرد . ب - ما يرد على جهة المجاز - في الجملة الواحدة - مثاله : قال تعالى : { فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ } فالفائدة بذكر الصدور هنا وإن كانت القلوب حاصلة في الصدور علي جهة الإطناب بذكر المجاز . 2 - وقد يقع في الجملة المتعددة : أ - ما يرد عن طريق النفي والإثبات : ومثاله : قال تعالي : { لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ } ثم قال سبحانه : { إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ } فالآية الثانية كالآية الأولى إلاَّ في النَّفي والإثبات ، فإن الأولى من جهة النفي والثانية من جهة الإثبات ، فلا مخالفة بينهما إلاَّ فيما ذكرناه ، خلا أن الثانية اختصت بمزيد فائدة وهي قوله : { وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ } . ب - أن يصدر الكلام بذكر المعنى الواحد على الكمال والتمام ، ثم يردف بذكر التشبيه على جهة الإيضاح والبيان ومثاله قول البحتري : ذاتُ حسن لو استزادت من الحس‍ . . . - ن إليه لما أصابت مزيدًا فهي كالشمس بهجة والقضيب واللَّدْ . . . ن قَدًّا والرئم طرفًا وجيدًا فالبيت الأول كان كافيًا في إفادة المدح وبالغًا غاية الحسن ، لأنه لما قال : ( ( لو استزادت لما أصابت مزيدًا ) ) دخل تحته كل الأشياء الحسنة ، فلا أن للتشبيه مزية أخري تفيد السامع تصويرًا وتخييلاً لا يحصل من المدح المطلق ، وهذا الضرب له موقع بديع في الإطناب . ج‍ - أن يذكر الموصوف فيؤتي في ذلك جمعان متداخلة خلا أن كل واحد من تلك المعاني مختصٌّ بخصِّيصةٍ لا تكون للآخر ومثاله قوله أبي تمام يصف رجلاً أنعم عليه : مِنْ منَّةٍ مشهورة وصنيعةً . . . بِكْرٍ وإحسان أغرَّ مُحَجّلِ فقوله : منَّة مشهورة ، وصنيعة بكر ، وإحسان أغر محجّل ، معانٍ متداخلة لأن المنّة والإحسان والصنيعة كلها أمور متقاربة في بعضها من بعض . وليس ذلك من قبيل التكرار . لأنها إنما تكون تكريرًا لو اقتصر على ذكرها مطلقة من غير صفة كأن يقول مِنَّة وصنيعة وإحسان . ولكنه وصف كل واحدة منها بصفة تخالف الأخرى . فقال : مِنَّة مشهورة لكونها عظيمة الظهور لا يمكن كتمانها ، وقوله : ( ( صنيعة بكر ) ) وصفها بالبكارة أي أن أحدًا من الخلق لا يأتي بمثلها ، وقوله : ( ( وإحسان أغرَّ محجل ) ) فوصفه بالغُرَّة ليدل على تعداد محاسنه وكثرة فوائده : فلما وصف هذه المعاني المتداخلة الدالة على شيء واحد بأوصاف متباينة صار ذلك إطنابًا . د - ومن الإطناب أن المتكلم ، إذا أراد الإطناب فإنه يستوفي معاني الغرض المقصود من الرسالة أو الخطبة أو تأليف كتاب أو قصيدة أو غير ذلك من فنون الكلام ، وهذا من أصعب هذه الضروب الأربعة وأدقها مسلكًا ، وبه تتفاضل المراتب ، ويتفاوت الأدباء في أساليب النظم والنثر . ويكون الإطناب بأمور كثيرة منها : 1 ) الإيضاح بعد الإبهام . نحو قوله تعالي : { أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ( 132 ) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ ( 133 ) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } . 2 ) عطف الخاص على العام . ويكون للتنبيه على فضل الخاص حتى كأنه من جنس العام . لما امتاز به عن سائر أفراده من الأوصاف ، تنزيلاً للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات . نحو : قوله تعالي : { تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا } فقد خصَّ الله سبحانه وتعالي الروح وهو ( جبريل ) بالذكر مع أنه داخل في عموم الملائكة تكريمًا له وتعظيمًا لشأنه ، كأنه من جنس آخر . 3 ) عطف العام على الخاص ويكون لإفادة العموم والشمول نحو : قوله تعالي : { وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ } وذلك لإفادة الشمول من العناية بالخاص لذكره مرتين : مرة وحده ، ومرة مندرجًا تحت العام . 4 ) التكرير والتكرير البليغ ما كان لنكتة بلاغية . كتأكيد الإنذار في نحو قوله تعالي : { كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 3 ) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ } وفي ثم دلالة على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول تنزيلاً لبعد المرتبة لبعد الزمان واستعمالاً للفظ ( ثم ) في التدرج في الارتقاء . 5 ) الإيغال : قال بعضهم الإيغال : هو ختم البيت بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها وعلى هذا فإنه يختص بالشعر . وقيل : لا يختص بالشعر . ومثلوا له بقوله تعالى : { قَالَ يَا قَوْم اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ ( 20 ) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ } فقول : { وَهُمْ مُهْتَدُونَ } مما يتم المعنى بدونه لأن الرسول مهتدٍ لا محالة ، إلا أن فيه زيادة حث على الاتباع وترغيب في الرسل . 6 ) التذييل هو تعقيب الجملة بجملة أخرى تشتمل على معناها بعد إتمام الكلام لإفادة التوكيد ، وتقريرًا لحقيقة الكلام . نحو قوله تعالى : { وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } . 7 ) التكميل ويسمى الاحتراس وهو أن يأتي في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفعه , وذلك الدافع قد يكون في وسط الكلام كقول الشاعر : فسقى ديارك غير مفسدها . . . صوب الربيع وديمةٌ تهمي فلما كان المطر قد يؤول إلى خراب الديار وفسادها أتى بقوله : ( غير مفسدها ) دفعًا لذلك . وقد يأتي في آخر الكلام كما في قوله تعالى : { أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ } . 8 ) التتميم : وهو أن يذكر الشاعر المعنى , فلا يدع من الأحوال التي تتم بها صحته , وتكمل معها جودته شيئًا إلا آتى به مثل قول نافع بن خليفة الغنوي : رجالٌ إذا لم يقبل الحقٌ منهم ويعطوه عاذوا بالسيوف القواطع وإنما تمت جودة المعنى بقوله : ( ويعطوه ) وإلا كان المعنى منقوص الصحة . وفي قوله تعالى : { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } فقوله : { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } تم المعنى . 9 ) الاعتراض : هو أن يؤتى في أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين معنى بجملة أو أكثر لا محل لها من الإعراب لنكتة سوى دفع الإيهام كالتنزيه في قوله تعالى : { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ } فقوله : { سُبْحَانَهُ } جملة لأنه مصدر بتقدير الفعل وقعت أثناء الكلام . ( معجم البلاغة العربية ) ( 388 , 414 ) , ( البلاغة العربية ) ( 2 / 60 - 69 , 76 , 80 ) .