وجدها في يد رجل متهم بسرقتها ، فإن كان ما في الحديثين يؤدي هذا المعنى ويفيده فأي خلل في هذا الإطلاق والتقييد ، وأي مناقشة ترد على الحمل .
إن قال المجيب - كثر الله فوائده - : إن مثل هذا التركيب الذي جعلناه مثالاً لا يستفاد من الحديثين ، وأنه يمنع ذلك حتى نقرره بوجه يوجب التسليم .
فنقول : أما الرواية ( 1 ) التي في حديث سمرة فهي في السؤال الذي كتبه السائل - كثر الله فوائده - هكذا . وفي لفظ : " إذا سرق من الرجل متاع ، أو ضاع منه فوجده بيد رجل بعينه فهو أحق به " . ولا شك ولا ريب أن هذا اللفظ يتضمن المثال الذي ذكرناه سابقًا ، وهو قولنا : العين المسروقة يأخذها مالكها إذا وجدها في يد رجل ، ويتضمن ما يؤدي هذا المعنى من أمثلة يكثر تعدادها .
وأما حديث أسيد فقد صرحت في الجواب تصريحًا لا يبقى بعده ارتياب بأنه قد اشتمل على طرفين .
أحدهما : التصريح بحكم غير المتهم .
الثاني : السكوت عن حكم المتهم مع استفادته من المقابلة ( 2 ) ، ومن مفهوم [ 2 أ ] . . . .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجها .
( 2 ) قال الشوكاني في " إرشاد الفحول " ( ص 591 ) : مفهوم المخالفة هو حيث المسكوت عنه مخالفًا للمذكور في الحكم إثباتًا ونفيًا ، فيثبت للمسكوت عنه نقيض حكم المنطوق به .
وجميع مفاهيم المخالفة حجة عند الجمهور إلا مفهوم اللقب وأنكر أبو حنيفة الجميع .
انظر : " البحر المحيط " ( 4 / 15 ) ، " تيسير التحرير " ( 1 / 94 ) .
وللقول بمفهوم المخالفة شروط :
1 - أن لا يعارضه ما هو أرجح منه من منطوق أو مفهوم موافقة وعليه تفصيل . انظر : " البحر المحيط " ( 4 / 18 ) .
2 - أن لا يكون المذكور قصد به الامتنان كقوله تعالى : { لتأكلوا منه لحما طريا } فإنه لا يدل على منع أكل ما ليس بطري .
3 - أن لا يكون المنطوق خرج جوابًا عن سؤال متعلق بحكم خاص ولا حادثة خاصة بالمذكور وهكذا قيل ولا وجه لذلك فإنه لا اعتبار بخصوص السبب ولا بخصوص السؤال .
انظر مزيد تفصيل : " البحر المحيط " ( 4 / 22 ) ، " تيسير التحرير " ( 1 / 99 ) .
4 - أن لا يكون المذكور قصد به التفخيم وتأكيد الحال كقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد " وهو حديث متفق عليه .
فإن التقيد بالإيمان لا مفهوم له وإنما ذكر لتفخيم الأمر .
" الكوكب المنير " ( 3 / 492 ) .
5 - أن يذكر مستقلاً ، فلو ذكر على وجه التبعية لشيء آخر فلا مفهوم له كقوله تعالى : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } [ البقرة : 187 ] .
فإن قوله : في المساجد لا مفهوم له ؛ لأن المعتكف ممنوع من المباشرة مطلقًا .
" البحر المحيط " ( 4 / 23 ) .
6 - أن لا يظهر من السياق قصد التعميم فإن ظهر ، فلا مفهوم له كقوله تعالى : { والله على كل شيء قدير } [ البقرة : 284 ] .
للعلم بأن الله سبحانه قادر على المعدوم والممكن وليس بشيء فإن المقصود بقوله : { كل شيء } للتعميم .
7 - أن لا يعود على أصله الذي هو منطوق بالإبطال ، أما لو كان كذلك فلا يعمل به .
انظر " الكوكب المنير " ( 3 / 495 - 496 ) ، " البحر المحيط " ( 4 / 23 ) .