تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4452

مساهمون:

ص٤٤٥٢
فلا ينفق على نفسه إنفاق أهل الإسراف ، ولا إنفاق أهل التقتير ، بل يقتدي بعادة أمثاله من أهل بلده الذين يسلكون مسالك التوسط ، ويمشون مشي من لا يبسط يده كل البسط ، ولا يقبضها كل القبض . وفي قصة الصديق - رضي الله عنه - قدوة وأسوة ، فإنه قال لما استخلف : لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي ، وشغلت بأمر المسلمين ، وسيأكل آل أبي بكر من هذا المال وأحترف للمسلمين فيه ) ( 1 ) هكذا في البخاري ( 2 ) فانظر ما في هذا الكلام الصادر عن الصديق - رحمه الله - من الفوائد التي ينبغي لمن يعمل عملاً للمسلمين أن يقتدي بها ، ويمشي على سننها فإنه قال : لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي ، فقدم هذه المقدمة أمام المقصد الذي يريده ليعلم الصحابة أنه لا يأخذ من بيت مالهم لنفسه شيئًا يستأثر به دونهم ، لكونه قد صار إمامًا لهم ، مالكًا لأمرهم ، بل الذي يأخذه هو أجرة [ 5 أ ] عوضًا عن عمله الذي كان يعمله ليعود به على أهله وهي الحرفة التي كان يرتزق بها هو وأهله . وقد كانت تقوم بكفايته ولا يعجز عنه حتى يحتاج إلى غيرها ، وهو الآن قد صار مشتغلاً بالاحتراف للمسلمين في أمورهم العامة أو الخاصة ، وغير ممكن من العمل في حرفته الأصلية ، فهو لا يطلب منهم إلا ما كان يحصله من حرفته الخاصة به ، وهو الكفاية والكفاف على وجه يكون الحاصل له من بيت مال المسلمين في كل يوم ما كان يحصل له من حرفته في كل يوم ، ولم يجعل لنفسه فرقًا بين حاله وهو سوقة ، وحاله وهو ملك ، ولا بين كونه كان يدور في الأسواق كأحد المسلمين ، وبين كونه صار أمير المؤمنين فلله در هذا الورع
هامش
( 1 ) تقدم آنفًا . ( 2 ) في صحيحه رقم ( 2070 ) . قال : أحترف أني كنت أكتسب لهم ما يأكلونه ، والآن اكتسب للمسلمين . قال الطيبي : فائدة الالتفات أنه جرد من نفسه شخصًا كسوبًا لمؤنة الأهل بالتجارة ، فامتنع لشغله بأمر المسلمين عن الاكتساب ، وفيه إشعار بالعلة ، وأن من اتصف بالشغل المذكور حقيق أن يأكل هو وعياله من بيت المال . وخص الأكل من بين الاحتياجات لكونه أهمها ومعظمها .