تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4450

مساهمون:

ص٤٤٥٠
والتعليم ، فليس في ذلك من النفع والدفع ما يكون عند إدرار أموال الله على مصارفها ، فلا يزال في ضعف وسقوط وانطماس حتى ينتهي الحال إلى خراب أحوال الدنيا مع أحوال الدين ، فلا يأمن الزارع على نفسه ، ولا على ماله ، ولا التاجر على تجارته ، ولا المحترف على حرفته ، فيذهب الدين والدنيا ، والعاجل والآجل ، ويعم الضرر جميع العباد ، ويكثر في الأرض الفساد . ومن رام أن يحيط بهذا علمًا ، ويقتله خبرًا ، ويعلمه علمًا لا يداخله شك ولا شبهة ، فلينظر ما يقع فيه عباد الله عند اضطراب الدول من الهرج والمرج ، وهتك الحرم ، وذهاب معالم الدين ، وضياع الشرع ، وتقاصر ظله ، وتقلص أطرافه . ومن نظر في التواريخ المتضمنة لشرح أحوال الدول علم علمًا يقينًا أنه لا انتظام للدين ولا للدنيا إلا بوضع حقوق الله في مواضعها ، مع أخذها على الوجه الذي جاء به الشرع . وبالجملة فلا نطيل المقال في هذا فهو من الوضوح بمكان ، وليس المراد إلا بيان أن القاضي والمفتي والمعلم هم أحق الناس بوضع أموال الله فيهم [ 4 ب ] ، وإدرارها عليهم . وقد ثبت أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - كان يفرض الأرزاق لمن يستعمله كما في حديث بريدة مرفوعًا بلفظ : « أيما عامل استعملناه ، وفرضنا له رزقًا فما أصاب بعد رزقه فهو غلول » ( 1 ) ، ونحو هذا مما ورد في فرض أرزاق أهل الأعمال . وقد كان يستعمل على القضاء كما يستعمل على غيره من الأعمال ، وكان عماله يأكلون من أموال الله ، وكذلك الخلفاء الراشدون كانوا يفرضون لأنفسهم ( 2 ) ، ولمن يلي لهم
هامش
( 1 ) أخرجه أبو داود رقم ( 2943 ) بإسناد صحيح . ( 2 ) ذكر البخاري في صحيحه باب ( 17 ) رزق الحاكم والعاملين عليها ، وكان شريح القاضي يأخذ على القضاء أجرًا وقالت عائشة : يأكل الوصي بقدر عمالته . وأكل أبو بكر وعمر . قد تقدم عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما استخلف أبو بكر قال : قد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي ، وقد شغلت بأمر المسلمين ، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال وأحترف للمسلمين فيه " . أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 2070 ) . قال ابن حجر في " الفتح " ( 4 / 305 ) : قال ابن التين وفيه دليل على أن للعامل أن يأخذ من عرض المال الذي يعمل فيه قدر حاجته إذا لم يكن فوقه إمام يقطع له أجرة معلومة . قال ابن حجر في " الفتح " ( 13 / 151 ) : لكن في قصة أبي بكر أن القدر الذي كان يتناوله فرض باتفاق الصحابة فروى ابن سعد بإسناد مرسل رجاله ثقات قال : " لما استخلف أبو بكر أصبح غاديًا إلى السوق على رأسه أثواب يتجر بها ، فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فقال : كيف تصنع هذا وقد وليت أمر المسلمين ؟ قال : فمن أين أطعم عيالي ؟ قالوا نفرض لك ، ففرضوا له كل يوم شطر شاة . قال عمر بن الخطاب " إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة قيم اليتيم إن استغنيت عنه تركت ، وإن افتقرت إليه أكلت بالمعروف " . أخرجه ابن أبي شيبة في " مصنفه " ( 12 / 324 رقم 12960 ) وابن سعد في " الطبقات " ( 3 / 197 ) والبيهقي في " السنن الكبرى " ( 6 / 354 ) . وقال الحافظ ابن حجر في " الفتح " ( 13 / 151 ) : سنده صحيح . وأخرج الكرابيسي بسند صحيح عن الأحنف قال : كنا بباب عمر - فذكر قصة وفيها فقال عمر : " أنا أخبركم بما استحل : ما أحج عليه وأعتمر ، وحلتي الشتاء والقيظ وقوتي وقوت عيالي كرجل من قريش ليس بأعلاهم ولا أسفلهم " . " الفتح " ( 13 / 151 ) .