تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4448

مساهمون:

ص٤٤٤٨
ما كان فيه للمسلمين مصلحة ، وأعظم مصالح المسلمين تشييد معالم الدين ، والعمل فيهم بما شرعه الله لهم ، فإن المصالح الدنيوية ليست بمنظور إليها لجنب المصالح الدينية ، والمصالح الدينية بعضها أهم من بعض ، وفيها ما هو مقدم على غيره ، ولا تزال متفاضلة في ذات بينها حتى ينتهي الفضل إلى رأسها ، بل وأساسها وأعلاها وأولاها ، وهو نشر هذه الشريعة التي طلبها الله من عباده ، وأرسل إليهم بها رسله ، وخلق الجنة لمن عمل بها ، والنار لمن تركها ، وخلق عباده ليعبدوه ويبلوهم أيهم أحسن عملاً ( 1 ) كما نطق به كتابه العزيز . وإذا كانت هذه [ 3 ب ] الخصلة هي المصلحة التي لا تدانيها مصلحة ، ولا توازيها منفعة ، فلا شك ولا ريب أن أعظم الناس قيامًا بها وتحملاً لها هو القاضي العادل ؛ فإنه الذي يقطع الخصومات العارضة لعباد الله بما شرعه لهم في كتابه ، وعلى لسان رسوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - . وهكذا من يعلم الناس معالم دينهم من العلماء العاملين ، وهذا من يفتيهم في أمر دينهم . فهؤلاء إذا لم يكونوا مصارف لأموال المصالح فلا مصارف لها ، وإذا لم تحل لهم لم تحل لغيرهم . وقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - يجمعون مال الله ، ثم يفرقونه بين المسلمين ، ويسمون ذلك العطاء ، ويفاضلون بينهم بتفاضل درجاتهم في العلم والدين والسبق . هذا معلوم من فعلهم لا يشك فيه أحد . وكان للمشتغلين بالعلم منهم والمتصدرين لرواية سنة رسول الله ، وتفسير كتاب الله ، ومن يؤخذ عنه العلم منهم بنوع من أنواع الأخذ كالقاضي والمفتي وغيرهم النصيب الأوفر ، والحظ الأكبر ، بل قد كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يقسم بين المسلمين ما يوافيه من أموال الله كمال البحرين ( 2 ) ونحو ذلك كما ثبت ذلك ثبوتًا لا شك
هامش
( 1 ) يشير إلى قوله تعالى : { الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور } [ الملك : 2 ] . ( 2 ) أخرج البخاري في " صحيحه " رقم ( 421 و 3165 ) معلقًا . عن أنس - رضي الله عنه - قال " أتي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمال من البحرين فقال : انثروه في المسجد ، فكان أكثر مال أتي به رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فخرج رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى الصلاة ولم يلتفت إليه ، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه ، فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ جاءه العباس فقال : يا رسول الله أعطني ، فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلاً . فقال : خذ . فحثا في ثوبه ، ثم ذهب يقله فلم يستطع فقال : يا رسول الله أؤمر بعضهم يرفعه إلي ، قال : لا . قال : فارفعه أنت علي قال : لا ، فنثر منه ثم ذهب يقله فلم يرفعه فقال : يا رسول الله : أؤمر بعضهم برفعه علي قال : لا ، قال : فارفعه أنت علي قال : لا ، فنثر منه ثم احتمله فألقاه على كاهله ثم انطلق ، فما زال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتبعه بصره حتى خفي علينا . عجبًا من حرصه ، فما قام رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وثم منها درهمًا " . قال ابن حجر في " الفتح " ( 1 / 517 ) وفي هذا الحديث بيان كرم النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وعدم التفاته إلى المال قل أو كثر ، وأن الإمام ينبغي له أن يفرق مال المصالح في مستحقيها ولا يؤخره .
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4448 | محمد بن علي الشوكاني / أبو مصعب « محمد صبحي » بن حسن حلاق