لجوازه عند الوصية .
وعندي أنّ الميت إذا أوصى بذلك لحق وإلاّ فلا ، لأنه قد ورد الإذن بالاستئجار على تلاوة القرآن ، كما ورد في الصحيح ( 1 ) : " إن أحق ما أخذتُم عليه أجرًا كتاب الله " ، وفي حديث ( 2 ) الذي رقى بالفاتحة ، وأخذ قطيعًا من الغنم ، وسوَّغ له ذلك النبيُّ - صلى
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه مرارًا .
( 2 ) تقدم تخريجه .
انظر : " فتح الباري " ( 4 / 70 ) .
خلاصة :
اتفق أهل السنة أن الأموات ينتفعون من سعي الأحياء بأمرين :
أحدهما : ما تسبَّب إليه الميت في حياته .
والثاني : دعاءُ المسلمين واستغفارهم له ، والصدقة والحج على نزاع فيما يصل من ثواب الحج . فعن محمد بن الحسن أنه إنّما يصل إلى الميت ثواب النفقة والحجُّ للحاج ، وعند عامة العلماء ثواب الحج للمحجوج عنه ، وهو الصحيح .
واختلف في العبادات البدنية كالصوم ، والصلاة ، وقراءة القرآن ، والذكر فذهب أبو حنيفة وأحمد وجمهور السلف إلى وصولها ، والمشهور من مذهب الشافعي . ومالك عدمُ وصولها .
وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام إلى عدم وصول شيء البتة ، لا غيره . وقولهم مردود بالكتاب والسنة لكنهم استدلوا بالمتشابه من قوله تعالى : { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } [ يس : 54 ] . وقوله تعالى : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } [ البقرة : 286 ] .
وقد ثبت عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية ، أو ولد صالح يدعو له ، أو علم ينتفع به من بعده " - تقدم - .
فأخبر أنّه إنّما ينتفع بما كان تسبب فيه في الحياة ، وما لم يكن تسبَّب فيه في الحياة فهو منقطع عنه . الدليل على انتفاع الميت بغير ما تسبب فيه :
الكتاب : قال تعالى : { وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ } [ الحشر : 10 ] .
فأثنى عليهم باستغفارهم للمؤمنين قبلهم فدلَّ على انتفاعه باستغفار الأحياء .
وقد دل انتفاع الميت بالدعاء إجماع الأُمة على الدعاء في صلاة الجنازة والأدعية التي وردت بها النسة في صلاة الجنازة مستفيضة ، وكذا الدعاء له بعد الدفن - من حديث عثمان قال : كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه ، فقال : " استغفروا لأخيكم ، واسألوا له التثبيت فإنّه الآن يُسأل " - أخرجه أبو داود رقم ( 3221 ) وكذلك الدعاء لهم عند زيارة القبور : وقد تقدم آنفًا .
وكذلك وصول ثواب الصدقة - تقدم ذكر الأحاديث خلال الرسالة .
وكذلك وصول ثواب الصوم . تقدمت أحاديثه .
وذلك وصول ثواب الحج . وقد تقدمت أحاديثه .
وكذلك أجمع المسلمون على أن قضاء الدين يسقطه من ذمة الميت ولو كان من أجنبي ومن غير تركته . تقدم ذكر الحديث .
وكلّ ذلك جارٍ على قواعد الشرع وهو محضُ القياس ، فإن الثواب حقٌّ العامل فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يمنع من ذلك تمام يمنع من هبة ماله له في حياته وإبرائه له من بعد وفاته .
وقد نبَّه الشارع بوصول ثواب الصوم على وصول ثواب القراءة ونحوها من العبادات البدنية يوضحه : أن الصوم كف النفس عن المفطرات بالنية وقد نص الشارع عن وصول ثوابه إلى الميت فكيف بالقراءة التي هي عمل ونية .
والجواب عمّا استدلوا به من قوله تعالى : { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } [ النجم : 39 ] وقد أجاب العلماء بأجوبة أصحها جوابان :
1 - أن الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء وأولد الأولاد ، ونكح الأزواج وأسدى الخير ، وتودَّد إلى الناس ، فترحموا عليه ، ودعوا له وأهدوا له ثواب الطاعات ، فكان ذلك أثر سعيه ، بل دخول المسلم مع جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كلٍّ من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم . . .
2 - وهو أن القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره ، وإنما نفى ملكه لغير سعيه ، وبين الأمرين من الفرق ما لا يخفى .
فأخبر سبحانه أنّه لا يملك إلا سعيه وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه فإن شاء أن يبذله لغيره وإن شاء أن يبقيه لنفسه .
وقوله سبحانه : { أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } [ النجم : 38 - 39 ] آيتان محكمتان تقتضيان العدل الرباني .
1 - الأولى : تقتضي أنّه لا يُعاقِب أحدًا بجرم غيره ، ولا يؤخذه بجريرة غيره كما يفعله ملوك الدنيا .
2 - الثانية : تقتضي أنّه لا يفلح إلا بعمله ، ليقطع طعمه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه ، كما عليه أصحاب الطمع الكاذب وهو سبحانه لم يقل : لا ينتفع إلا بما سعى .
وكذلك قوله تعالى : { لَهَا مَا كَسَبَتْ } [ البقرة : 286 ] وقوله تعالى : { وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [ يس : 54 ] على أن سياق هذه الآية على أن المنفي عقوبة العبد بعمل غيره . فإنّه سبحانه قال : { فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } [ يس : 54 ] .
انظر : " شرحا لعقيدة الطحاوية " ( 2 / 664 - 671 ) لعلي بن أبي العز " مجموع الفتاوى " لابن تيمية ( 24 / 306 ، 313 ، 324 ، 366 ) ، " الروح " لابن القيم ( ص 159 - 193 ) .
وانظر : " البناية في شرح الهداية " ( 5 / 422 - 428 ) . " المجموع " ( 5 / 293 ) ، " فتح الباري " ( 4 / 69 - 70 ) .