تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4063

مساهمون:

ص٤٠٦٣
بالأموال في أول الإسلام ليس بثابت ولا معروف ودعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ ( 1 ) ، وقد نقل الطحاوي والغزالي الإجماع على نسخ العقوبة بالمال ( 2 ) . وحكى بعضُ المتأخرين عن النووي مثل ذلك ، وكلامه الذي ذكرناه سابقًا يدل على خلافه ، وزعم الشافعي أن الناسخ حديث ناقة البراء ( 3 ) لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ
هامش
( 1 ) قال ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " ( 28 / 111 ) : ومن قال : إن العقوبات المالية منسوخة وأطلق ذلك من أصحاب مالك وأحمد فقد غلط على مذهبما ، ومن قاله مطلقًا من أي مذهب كان : فقد قال قولاً بلا دليل . ولم يجيء عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيء قط يقتضي أنّه حرم جميع العقوبات المالية . بل أخذ الخلفاء الراشيدن وأكابر أصحابه بذلك بعد موته دليل على أن ذلك محكم غير منسوخ . وعامة هذه الصور منصوصة عن أحمد ومالك وأصحابه ، وبعضها قول عند الشافعي باعتبار ما بلغه من الحديث . ومذهب مالك وأحمد وغيرهما : أن العقوبات المالية كالبدنية : تنقسم إلى ما يوافق الشرع ، وإلى ما يخالفه ، وليست العقوبة المالية منسوخة عندهما ، والمدّعون للنسخ ليس معهم حجة بالنسخ ، لا مع كتابٍ ، ولا سنة . ( 2 ) انظر التعليقة السابقة . ( 3 ) يشير إلى الحديث الصحيح الذي أخرجه مالك في " الموطأ " ( 2 / 747 رقم 37 ) عن ابن شهاب عن حرام بن سعد بن مُحيصة ، أنّ ناقةً للبراء بن عازب دخلت حائط رجلٍ فأفسدت فيه ، فقضى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أنّ على أهل الحوائط حِفظها بالنّهار . وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامنُ على أهلها " . قلت : وهذا سند مرسل صحيح ، وقد أخرجه الدارقطني ( 3 / 156 رقم 222 ) والبيهقي ( 8 / 341 ) وأحمد ( 5 / 435 - 436 ) من طريق مالك به . وتابعه الليثب بن سعد عن ابن شهاب به مرسلاً . أخرجه ابن ماجة رقم ( 2332 ) وتابعهما سفيان ابن عيينة عن الزهري ، عن سعيد بن المسيّب ، وحرام بن سعد بن محيصة أن ناقة للبراء . . . أخرجه أحمد ( 5 / 436 ) والبيهقي ( 8 / 342 ) . وتابعهم الأوزاعي ، لكن اختلفوا عليه ، في سنده ، فقال أبو المغير ثنا الأوزاعي عن الزهري عن حرام بن محيصة الأنصاري به مرسلا . أخرجه البيهقي ( 8 / 341 ) . وقال الفريابي عن الأوزاعي به إلا أنه قال : " عن البراء بن عازب " فوصله . أخرجه أبو داود رقم ( 3570 ) وعنه البيهقي ( 8 / 341 ) والحاكم ( 2 / 48 ) . وكذا قال محمد بن مصعب : ثنا الأوزاعي به موصلاً . أخرجه أحمد ( 4 / 295 ) والبيهقي ( 8 / 341 ) والدارقطني ( 3 / 155 رقم 219 ) . وكذا قال أيوب بن سويد : ثنا الأوزاعي به ، أخرجه الدارقطني ( 3 / 155 رقم 217 ) والبيهقي ( 8 / 314 ) . فقد اتفق هؤلاء الثلاثة : الفرياني ، ومحمد بن مصعب ، وأيوب بن سويد ، على وصله على الأوزاعي ، فهو أولى من رواية أبي المغيرة عنه مرسلاً لأنهم جماعة . وهو فرد . وتابعهم معمر ، واختلفوا عليه أيضًا ، فقال عبد الرزاق ؛ ثنا معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه أن ناقة للبراء الحديث . فزاد في السند " عن أبيه " أخرجه أبو داود رقم ( 3569 ) وابن حبان ( رقم 1168 - موارد ) والدارقطني ( 3 / 154 رقم 216 ) أحمد ( 5 / 436 ) والبيهقي ( 8 / 342 ) . وقال : " وخالفه وهيب ، وأبو مسعود الزجاج عن معمر ، فلم يقولا : عنه عن أبيه " . قال ابن التركماني في " الجوهر النقي " ( 8 / 342 مع السنن ) : " وذكر ابن عبد البر بسنده عن أبي داود ، وقال : لم يتابع أحد عبد الرزاق على قوله في هذا الحديث : " عن أبيه " وقال أبو عمر : أنكروا عليه قوله فيه : " عن أبيه " وقال ابن حزم : هو مرسل . . " . قال المحدث الألباني في " الصحيحة " ( 1 / 425 ) : " لكن قد وصله الأوزاعي بذكرالبراء فيه ، في أرجح الروايتين عنه ، وقد تابعه عبد الله بن عيسى عن الزهري عن حرام بن محيصة عن البراء به . أخرجه ابن ماجة رقم ( 2332 ) والبيهقي ( 8 / 341 - 342 ) . وعبد الله بن عيسى هو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وهو ثقة محتج به في الصحيحين ، فهي متابعة قوية للأوزاعي على وصله ، فصح بذلك الحديث ولا يضره إرسال من أرسله ، لأن زيادة الثقة مقبولة ، فكيف إذا كانا ثقتين ؟ وقد قال الحاكم ( 2 / 48 ) عقب رواية الأوزاعي " صحيح الإسناد ، على خلاف فيه بين معمر والأوزاعي " ووافقه الذهبي ، كذا قالا ، وخلاف معمر مما لا يلتفت إليه لمخالفته لروايات جميع الثقات في قوله : " عن أبيه " على أنَّه لم يتفقوا عليه في ذلك كما سبق ، فلو أنهما أشارا إلى خلاف مالك ، والليث ، وابن عيينة في وصله لكان أقرب إلى الصواب ، ولو أن هذا لا يُقلُّ به الحديث لثبوته موصولاً من طريق الثقتين كما تقدم " .