تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 4022

مساهمون:

ص٤٠٢٢
المانع على فَرَض أنه يترجَّح جانبُ عدمِه على جانب وجودِه ، فكيف إذا كان عدمُهُ راجحًا كما نحن فيه ! فإنّه لا شك أن الأصل عدمُ المانعِ ، لأنّ الظاهر أنّ الرجل المعلوم إسلامُهُ ولا سيَّما إذا كان من أهل التمييز والتقوى لا يتقرَّبُ بأمرٍ في الظاهر ، وثمَّ مانعٌ يبطلُ عنه ذلك التقرُّبَ ، ويبقى الكلامُ هاهنا في صورة ، وهي حيثُ لم تكنِ المقتضى معلومًا وجودُهُ ولا عدمُهُ . ولا شكَّ أن المانع إذا كان معلومًا أو مظنونًا مقدَّمٌ عليه ، وإنما الإشكالُ فيما إذا كان المانعُ غَيْرَ معلوم وجودُهُ ولا عدَمُهُ ، فهل يُجْعَلُ الأصلُ وجودَ المقتضي فيجبُ القضاءُ بالصحةِ ، أو الأصلُ عدَمُهُ فيجبُ القضاءُ بعدمِها ، أو يكون ذلك محلَّ تردُّدٍ ؟ ويمكنُ أنْ يُقَالَ : الأصلُ العدمُ ، لأنَّه السابقُ على الوجود ، فإذا لم يَقُمْ دليلٌ يدلُّ على أن المقتضي موجودٌ فالواجبُ استصحابُ ذلك المتيقَّنِ ، ولا يُتَنَقَّلُ عنه إلاَّ بناقلٍ ، ولكن هاهنا أمرٌ آخَرُ يوجبُ المصيرَ إلى أنَّ المقتضي في تلك الحالِ موجودٌ ، وهو الظاهر المرجَّحُ على الأصل عند التعارضُ ، فإنه لا ريبَ أنَّ المسلمَ إذا فعلَ فِعْلاً من أفعال العباداتِ والقُرَبِ كان الظاهرُ أنَّه لم يفعل ذلك عَبَثًا بل فعلَه لمقتضٍ هو إرادةُ التقرُّب إلى الله تعالى ، لأن الإسلام بمجرَّده باعثٌ على ذلك فضلاً عن الإيمانِ والعِرفَانِ ، ولا ينبغي أن يُظَنَّ بمسلم من المسلمينَ أنَّه يُلْبَسُ ببعض القُرَبِ المقربة إلى الله تعالى غَيْرَ مستحضرٍ في تلك الحالِ لماهية ما تقرَّبَ به . فإن قلتَ : قد قامتِ الأدلةُ الصحيحةُ الصريحةُ القاضيةُ [ 2 ب ] بمشروعيته وقد ذكر السيدُ العلامةُ في جوابه على هذا السؤالِ شطرًا منها ، وهو مذهب الجماهير من أهل العلم ، حتى قال الترمذي ( 1 ) : لا يَعْلَمُ بينَ الصحابةِ والمتقدَّمينَ من أهل العلم خلافًا في جواز وقفِ الأرضينَ ، وجاء عن شُرَيْحٍ ( 2 ) أنه أنكر الوقفَ ، وقد تأوَّل ذلك جماعةٌ من
هامش
( 1 ) في " السنن " ( 3 / 660 ) . ( 2 ) ذكره ابن قدامة في " المغني " ( 5 / 185 ) : قال : ولم ير شريح الوقف ، وقال لا حبس عن فرائض الله . قال أحمد : وهذا مذهب أهل الكوفة .