تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 3964

مساهمون:

ص٣٩٦٤
وأقول - مستعينًا بالله - : قد اشتملَ هذا السؤالُ على أبحاث : الأول : قوله : عن شأن ما يقعُ من الرِّهان ( 1 ) - إلى قوله - : لأن الظاهر صارفٌ عن
هامش
( 1 ) الرَّهن في اللغة : الثبوت والدّوام يقال ماءٌ راهنٌ . أي راكدٌ ونعمةٌ راهنة أي ثابتة دائمة ، وقيل : هو الحبس . قال تعالى : { كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ } [ الطور : 21 ] . وقال سبحانه : { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } [ المدثر : 38 ] . والرَّهن في الشرع : المال الذي يجعل وثيقة بالدّين ليستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممَّن هو عليه حائر بالكتاب والسنة والإجماع . في الكتاب : { وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } [ البقرة : 283 ] . أمّا السنة : ستأتي الأحاديث خلال الرسالة . أمّا الإجماع : أجمع المسلمون على جواز الرهن بالجملة . انظر : " المغني " ( 6 / 444 ) . الرّهن لا يخلو من ثلاثة أحوال : 1 - أن يقع بعد الحقِّ فيصحُّ بالإجماع . لأنَّه دين ثابتٌ تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به فجاز أخذها به كالضمان ولأن الله سبحانه قال : { وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ } فجعله بدلاً عن الكتابة ، فيكون في محلها ، ومحلها بعد وجوب الحقّ وفي الآية ما يدلُّ على ذلك وهو قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ } فجعله جزاء للمداينة مذكورًا بعدها بفاء التعقيب . 2 - أن يقع الرهن مع العقد الموجب للدين ، فيقول : بعتك ثوبي هذا بعشرة إلى شهر ، ترهنني بها عبدك سعدًا . فيقول : قبلت ذلك . فيصح أيضًا ، وبه قال مالك ، والشافعي ، وأصحاب الرأي ، لأنَّ الحاجة داعيةٌ إلى ثبوته ، فإنّه لو لم يعقده مع ثبوت الحقِّ ويشترط فيه لم يتمكن من إلزام المشتري عقده ، وكانت الخيرةُ إلى المشتري ، والظّاهر أنَّه يبذله ، فتفوت الوثيقة بالحقِّ . 3 - أنْ يرهنه قبل الحقِّ ، فيقول : رهنتك عبدي هذا بعشرة تقرضنيها . فلا يصح في ظاهر المذهب ، وهو اختيار أبي بكر والقاضي وذكر القاضي : أن أ ؛ مد نص عليه في رواية ابن منصور . وهو مذهب الشافعي ، واختار أبو الخطّاب أنّه يصح . فمتى قال : رهنتك ثوبي هذا بعشرة تقرضنيها غدًا ، وسلَّمه إليه ، ثم أقرضه الدراهم لزم الرّهن . وهو مذهب مالك وأبي حنيفة ، لأنّه وثيقة بحقِّ ، فجاز عقدها قبل وجوبه ، كالضَّمان ، أو فجاز انعقادها على شيء يحدث في المستقبل . قال ابن قدامة : ولنا أنَّه وثيقةٌ بحقٍّ لا يلزمُ قبله فلم تصح قبله كالشَّهادة ، ولأنّ الرهن تابعٌ للحقِّ ، فلا يسبقه ، كالشهادة والثمن لا يتقدم على البيع ، وأمَّا الضمان فيحتمل أن يمنع صحّتُهُ ، وإنْ سلمنا فالفرق بينهما أنَّ الضّمان التزام مالٍ تبرُّعًا بالقول ، فجاز من غير حقِّ ثابت ، كالنَّذْرِ ، بخلاف الرّهن .