نفسهُ لا يحصل له ما يقومُ به هو وعيالُه ، ولأنه لا يجب عليه دفع ضرر غيره بضرر نفسه مع بذلِه لنصيبِه ، وطلبِ الآخر للثمن طلب من ليس له طلبُه ، فَلِمَ اعتبرَ الضررَ الحاصلَ على أحدهما دون الآخر ؟ ولا يقال ترجَّح الأكْثرُ ضررًا لأن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - يوقل : " لا ضرر ولا ضرار " ( 1 ) . وقد اتفقت كلمةُ العلماءِ على أنه لا يجوز الضرار ، وإنما اختلفوا في جزئيات ، فمنهم مَنْ نفى الضِّرار فيها ، ومنهم من أثبتَه ورجَّح دفعَ مفسدة الضرارِ لمصلحة هي أعظمُ منه ، وممن أثبَته بعضُ أئمتنا حيث قال : إن للمالك في ملكه ( 2 ) ما يشاء ، وإن ضرَّ الجارَ مستدلاً بأن موجبَ الملك الانتفاعُ كيف شاء المالكُ ، وهو مقيَّدٌ بأدلة الوصية بالجار ( 3 ) ، وتحذير الجار من البوائق ، وحديث : " لا ضررَ ولا ضرارَ " ( 4 ) وما في معناه ، وإن كانت عامَّةً فالعمل بالعامِّ ( 5 ) مما اتفقَ عليه أهلُ العلم ، وإنما النزاعُ هل ذلك قبل البحثُ عن المخصِّص أو بعده ؟ وهذا جارٍ في كل دليل ، وكونُ دلالتِه ظنيةً لا يمنعُ من العمل ؛ فأكثرُ الأحكام كذلك ، ويعود النزاعُ إلى جواز العملِ بالظن ، وهي مسألة أخرى على أنَّ الشارع قد جعل مناطَ دفعِ الضِّرار هو القسمةَ أو الإجبارَ في قضية مخصوصةٍ على أسلوب خاصٍّ إن صح ذلك ، ثم إن الواقعَ من النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - [ 1 ب ] في هذه القصة ليس في ما يقتضي توقُّفَ الأمر
هامش
( 1 ) أخرجه ابن ماجة رقم ( 2340 ) وهو حديث صحيح . من حديث عبادة بن الصامت .
وسيأتي في الجواب مفصلاً .
( 2 ) قال ابن قدامة في " المغني " ( 7 / 52 ) : " وليس للرجل التصرُّف في ملكه تصرُّفًا يضرُّ بجاره . . . وبهذا قال بعض أصحاب أبي حنيفة وعن أحمد رواية أخرى لا يمنع ، وبه قال الشافعيُّ وبعض أصحاب أبي حنيفة ، لأنّه تصرّف في ملكه المختصِّ به ، ولم يتعلَّق به حقُّ غيره فلم يمنع منه .
ولنا : قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا ضرر ولا ضرار " لأنّ هذا إضرارٌ بجيرانه فمنع منه اه - .
( 3 ) ستأتي في الجواب .
( 4 ) تقدم تخريجه وهو حديث صحيح .
( 5 ) انظر " البحر المحيط " ( 3 / 222 - 322 ) .
" المسودة " ( ص 115 ) وقد تقدم .