تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 3837

مساهمون:

ص٣٨٣٧
قولُه : بل موافقةٌ لأنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - قد اعتبر المصلحةَ . أقولُ : قد قدمنا الجوابَ عن هذا ، وأما ما ذكرهُ - عافاه الله - من الإقطاع فبابٌ آخَرُ خارج عن البحث ، لأن الإقطاعَ تمليكٌ ( 1 ) لما لم تثبتْ عليه يدٌ ، وهذا لا يخفى على مثلِهِ - دامت إفادته - . قوله : لأنَّ كلَّ واحد قد رضي بما يليه . أقولُ : فإذا طلبَ هذا رضيَ الرجوعَ إلى حكم الله ، أو طلبَهُ من بعده ممن لم يكن موجودًا حالَ الرِّضى ، هل يُجابُ إلى حكم الله أم يقال له : لا سبيل لك إلى ذلك لأنَّ فلانًا الذي هو أبوك أو جدُّك أو أعلا من ذلك قد رضي ؟ فإن قلتم : يُجابُ فهو مطلوبُنَا ، وإن قلتم : لا يُجابُ فما الدليلُ ؟ هذا على تسليم أنَّ للرضي تأثيرًا في الجواز ، وهو ممنوع ، فإن الذي رضي لم يرضَ بشيء بملكه ولا يستحقُّه ، بل رضي في شيء هو مشتركٌ بين المسلمين أجمعينَ بحكم رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ، فلا تأثيرَ لرضائه ، وهذا لا يخفى على الشرفي - عافاه الله [ 8 ب ] . قوله : فالذي فهمنا من تنبيه النصِّ . . . إلخ . أقول : قد قدمنا الجواب عن هذا فلا نعيده . قوله : ولهذا جرت عادةُ الناس بمنع الدخول إلى آبارهم وبساتينهم . أقولُ : إن كان الاستدلالُ بمجرد جَرْيِ عادة الناس فليس العادةُ بشريعة تُتَّبَعُ ، وما هذه بأولِ مسألةٍ خولفت فيها الشريعةُ كما قال العلامة جار الله في الكشاف ، وكم باب من أبواب الشريعة قد صار لترك العملِ به كالمنسوخ ، هذا على فرض شمول الشركة المنصوص عليها لما ذكر ، وعدمِ وُجْدَانِ ما يفيدُ جوازَ المنع ، لأن البساتينَ مملوكةٌ ، وللمالك منعُ غيرِه عن استعمال مُلْكِهِ ، وكذلك البئر مملوكةٌ ، والشركةُ إنما هي في مجرّدِ الماء ، ولهذا وقع في كتب المذهب الشريف أنه يمنعُ الداخل إلاَّ بإذن ، والآخذُ على وجه يضرُّ ، فتلك العادةُ الجاريةُ بالمنع هي لأجل الملك ، لا لأجل الشيء المشترك كالماء ، فأين غرب هذا عن مولانا الشرفي - عافاه الله - ؟ . قولُه : فما أدري من أين التخصيصُ القاضي - عافاه الله - . أقولُ : لم أخصِّصْ ، بل أحكمُ بالشركةِ في الثلاثة الأشياء التي حكَمَ بالشركة فيها رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - ، وإنما اقتصرتُ على الكلام في الكلأ لأنَّ السؤال ورد فيه ، فَمِنْ أين للشرفيِّ أني خصَّصْتُ ؟ وما ذاك في كلامي يدلُّ على ما ادَّعاه . قولُه : وأنا أضربُ له مثالاً ، لو كان عشبٌ بين رجلينِ إلى آخر كلامه . أقولُ : إذا حُكِّمْتُ في مثل ما ضربَهُ من المثلِ قلتُ : للجميع ارْعوا جميعًا ، ومن سبقت غنمُهُ إلى موضعٍ لم يحلّ للآخر أن يطرُدها عنه ، وأعرّفُهم بأن هذا الحكم هو الذي جاءت به الشريعة المطهرة ، وحينئذ لا يثور من الشر شيء ، ولا يجري بينَهم فتنةٌ [ 9 أ ] قطُّ ، فإن جرت من بعض شياطينهم أملينا عليهم قول الله عز وجل : { فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ } ( 2 ) فما في هذا المثال الذي ضربَهُ الشرفين إشكالٌ ، ولا يَعْيي عن الحكم فيه عالمٌ بالمسالك الشرعيةِ ، ولكني أضرب للشرفين مثالاً مقابلاً لمثاله فأقول : لو قالتْ إحدى الطائفتين في مِثْلِ الصورةِ التي ذكرها نحن المختصونَ بهذا الوادي ، ولا حق لغيرنا فيه : فقال الواردُ عليهم بسائمتِه : يا قومِ ، هذه سائمتي قد أعوزَها أمرُ الكلأ ، ولم أجدْ في غير هذا الوادي ما يسدُّ جَوْعَتَها فاتركوني أرعى معكم ، فالوادي واسعٌ ، والخير عن غير شاسعٌ ، فهذه سائمتي قد شارفتِ الهلاكَ جوعًا ، وهو يكفيكم جانبًا من جوانبه ، وهذه سائمَتُكُم في جزء من أجزائه ، فقالوا : لا سبيلَ لك إلى ذلك ، وإن ماتت سائمُتك ، لأن هذا حدُّنا قدمنا فيه رَقْمَ حاكم يشتملُ على ما يخالِفُ حُكم أحكم الحاكمين ، فما ذاك الشرفيُّ في مثل هذا ،
هامش
( 1 ) انظر " المغني " ( 8 / 153 ) . ( 2 ) [ الحجرات : 9 ] .
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني — صفحة 3837 | محمد بن علي الشوكاني / أبو مصعب « محمد صبحي » بن حسن حلاق