كثيرة ( 1 ) لا يتسع لها المقام ، فينبغي أن يجعل القياس عليهما هو الدليل السابع والثامن بجامع القربة . وقد خصص عموم مفهوم الآية والحديث بمخصصات كثيرة ، منها ما ذكرنا ، ومنها غيره . وقد بسطتها بأطول من هذا في شرح المنتقى ( 2 ) . ولا يخفى على
هامش
( 1 ) منها ما أخرجه مسلم في صحيحه رقم ( 1630 ) والنسائي ( 6 ) عن أبي هريره - رضي الله عنه - : " أن رجلا قال للنبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إن أبي مات وترك مالا ولم يوص فيه ، فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه ؟ قال : نعم " .
ومنها ما أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 2760 ) ومسلم رقم ( 112 ) وأبو داود رقم ( 2881 ) والنسائي ( 6 ) .
عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا أتي النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال يا رسول الله إن أمي افتلتت نفسها ولم توص ، وأظنها لو تكلمت تصدقت ، أفلها أجر إن تصدقت عنها ؟ قال نعم .
( 2 ) في ( 2 / 784 - 786 ) .
قال الشوكاني في " يبل الأوطار " ( 2 - 786 ) : " وأحاديث الباب تدل على أن الصدقة من الولد تلحق الوالدين بعد موتهما بدون وصية منهما ، ويصل إليها ثوابها ، فيخصص بهذه الأحاديث عموم قوله تعالى : ( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ) ولكن ليس في الباب إلا لحوق الصدقة من الولد ، وقد ثبت أن ولد الإنسان من سعيه فلا حاجة إلى دعوى التخصيص ، وأمام من غير الولد فالظاهر من العمومات القرآنية أنه لا يصل ثوابه إلى الميت ، فيوقف عليها ، حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها .
قال الألباني في " أحكام الجنائز " : " وهذا هو الحق الذي تقضيه القواعد العلمية ، أن الآية على عمومها وأن ثواب الصدقة وغيرها يصل من الولد إلى الوالد لأنه من سعيه بخلاف غير الولد ، لكن قد نقل النووي وغيره الإجماع على أ ، الصدقة تقع عن الميت ويصله ثوابها . هكذا قالوا : " الميت " فأطلقوه ، ولم يقيدوه بالوالد فإن صح هذا الإجماع كان مخصصا للعمومات التي أشار إليها الشوكاني فيما يتعلق بالصدقة ، ويظل ما عداها داخلا في العموم كالصيام وقراءة القرآن ونحوهما من العبادات ، ولكنني في شك كبير من صحة الإجماع المذكور ، وذلك لإمرين :
الأول : أن الإجماع بالمعنى الأصولي لا يمكن تحققه في غير المسائل التي علمت من الدين بالضرورة ، كما حقق ذلك العلماء الفحول ، كابن حزم في أصول الأحكام والشوكاني في " إرشاد الفحول " والأستاذ عبد الوهاب خلاف كتابه " أصول الفقه " وغيرهم .
الثاني : أنني سبرت كثيرا من المسائل التي نقلوا الإجماع فيها ، فوجدت الخلاف فيها معروفا بل رأيت مذهب الجمهور على خلاف دعوى الإجماع فيها . . . . . .
ثم قال الألباني رحمه الله : وذهب بعضهم إلى قياس غير الولد على والوالد ، وهو قياس باطل من وجوه :
الأول : أنه مخالف للعموميات القرآنية كقوله تعالى : ( وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ ) [ فاطر : 18 ] وغيرها من الآيات التي علقت الفلاح ودخول الجنة بالأعمال الصالحة ولا شك أن الوالد يزكي نفسه بتربيته لولده وقيامه عليه فكان له أجره بخلاف غيره .
الثاني : أنه قياس مع الفارق إذا تذكرت أن الشرع جعل الولد من كسب الوالد كما سبق في حديث عائشة فليس هو كسبا لغيره ، والله عز وجل يقول : ( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) ويقول سبحانه ( لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) .
وقال ابن كثير في تفسيره قوله تعالى ( ( وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ) : أي كما لا يحمل عليه وزر غيره ، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه ، ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي رحمه الله ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم ولهذا لم يندب إليه رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمته ولا حثهم عليه ، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - ولو كان خيرا لسبقونا إليه وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء .
وقال العز بن عبد السلام في " الفتاوى " ( 2 ) : " ومن فعل طاعة لله تعالى ثم أهد ثوابها إلى حي أو ميت ، لم ينتقل ثوابها إليه إذ ( لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ) فإن شرع في الطاعة ناويا أن يقع عن الميت لم يقع عنه إلا فبما استثناه الشرع كالصدقة والصوم والحج "
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في " الاختيارات العلمية " ( ص 54 ) : " ولم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعا أو صاموا تطوعا أو حجوا تطوعا أو قرؤوا القرآن يهدون ثواب ذلك إلى أموات المسلمين ، فلا ينبغي العدول عن طريق السلف فإنه أفضل وأكمل " .
وانظر تفصيل ذلك في " أحكام الجنائز " ( ص 218 - 225 ) .